كشف أهالي قرية السلامية بمحافظة قنا تعرض خط المصالحة التابع للوحدة المحلية لسرقة الأسلاك والكشافات للمرة الثانية خلال صيف واحد، ما أدى إلى تعطل الإنارة وترك الطريق في ظلام يهدد حركة السكان وسلامتهم.
ويفضح تكرار السرقة انهيار أبسط وظائف الدولة في حماية المرافق العامة، بينما يُدفع المواطنون إلى تمويل ما عجزت المحليات عن صيانته، في مشهد يجمع الإهمال الإداري والقسوة الإنسانية وتحميل الأهالي فاتورة التقصير مرتين.
وبحسب شكاوى متداولة بين السكان، وقعت السرقة الأولى مع بداية فصل الصيف، ولم تتحرك الجهات المختصة بما يكفي لمنع تكرارها، فاضطر الأهالي إلى جمع المال وشراء بدائل للأسلاك والكشافات وتركيبها على نفقتهم.
وفي المقابل، أعادت السرقة الأخيرة الخط إلى العتمة بعد فقد مكوناته، وسط غضب واسع من سكان تدفعهم حرارة الصيف إلى زيادة الحركة مساء، ويعتمدون على الإنارة لتأمين تنقلاتهم الليلية بين المنازل والحقول والطرق المحيطة.
ومن ناحية أخرى، لا تتوافر حتى الآن حصيلة رسمية منشورة تحدد قيمة المسروقات أو عدد الكشافات والأسلاك المفقودة، كما لم يعلن عن ضبط متهمين، ما يجعل رواية الأهالي المصدر الأساسي لتفاصيل الواقعة المتداولة.
وعلى الرغم من ذلك، يبقى ثبوت تعطل الخط وتكرار شكوى السكان كافيين لفتح تحقيق إداري وأمني عاجل، يشمل مراجعة إجراءات الحماية والصيانة وسجلات البلاغات، بدل ترك المواطنين يواجهون الظلام ويدفعون تكاليف الإصلاح.
المحليات تحت المساءلة
وفي تصريحات سابقة غير متصلة بالواقعة، يرى الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، أن معاناة القرى ونقص خدماتها يستوجبان رقابة حقيقية ومحاسبة المقصرين، وهو طرح يضع مسؤولية الوحدة المحلية أمام اختبار مباشر لا يحتمل التهرب.
كذلك، تكشف الواقعة أن استبدال المسروقات بعد وقوعها لا يمثل إدارة فعالة، لأن الواجب يبدأ بحصر النقاط المعرضة للسرقة، وتأمين لوحات التغذية، وتثبيت الكشافات، وتنظيم دوريات متابعة، مع الاستجابة الفورية لأي بلاغ من السكان.
وفوق ذلك، فإن اضطرار الأهالي للشراء الجماعي يعني انتقال عبء الخدمة العامة من الموازنة المحلية إلى جيوب أسر أنهكتها الأسعار، بينما تحتفظ الجهة الإدارية بسلطتها من دون أن تتحمل عمليًا كلفة الحماية أو الإخفاق.
وبالمثل، يثير غياب بيان واضح من الوحدة المحلية أسئلة عن موعد السرقة، وحجم الخسائر، ورقم المحضر، وخطة إعادة التشغيل، وهي معلومات أساسية ينبغي إعلانها للسكان بدل الاكتفاء بالصمت وترك الغضب يتصاعد في القرية.
لهذا، تبدو مساءلة المسؤولين عن الإنارة والمخازن والمتابعة الميدانية ضرورة وليست مطلبًا زائدًا، لأن تكرار الواقعة بعد إصلاح أهلي سابق يشير إلى خلل معروف لم تعالجه الوحدة المحلية ولم تمنع أسبابه من التجدد.
تباعًا، يجب أن يشمل التحقيق معرفة ما إذا كانت أعمال التركيب السابقة تمت بالتنسيق مع الجهة الفنية، وما إذا جرى فحص الخط بعد الإصلاح، ومن المسؤول عن استلامه وتأمينه، وكيف تُرك عرضة للسرقة مجددًا.
شبكة بلا حماية
وفي حديث سابق عن استقرار الشبكات، أوضح الدكتور حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الطاقة والرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، أن كفاءة الخدمة ترتبط بتطوير البنية التحتية، وهو مبدأ يجعل ترك الخط بلا حماية قصورًا فنيًا.
إضافة إلى ذلك، تتطلب إعادة الإنارة فحصًا شاملًا للكابلات ونقاط التوصيل وقواعد الأعمدة، لأن تركيب بدائل بصورة جزئية قد يعيد الضوء مؤقتًا، لكنه لا يعالج مواطن الضعف التي سمحت بالسرقة أو قد تعرض الأهالي للخطر.
وعليه، ينبغي استخدام أغطية محكمة ولوحات مؤمنة ووصلات يصعب العبث بها، مع ترقيم الكشافات وتوثيق مكوناتها، حتى يمكن اكتشاف النقص سريعًا وربط أي معروضات مشبوهة بالممتلكات العامة التي خرجت من الخط.
إلى جانب ذلك، تحتاج القرية إلى جدول تفقد معلن خلال الصيف، إذ يزداد استخدام الطرق ليلًا مع ارتفاع الحرارة، ويصبح انقطاع الإنارة عبئًا على كبار السن والأطفال والنساء والعاملين العائدين في ساعات متأخرة.
وفي السياق نفسه، يهدد الظلام سلامة المرور على الطريق ويزيد احتمالات التعثر والحوادث والسرقات، لذلك لا يجوز التعامل مع الكشافات باعتبارها تحسينًا شكليًا، بل مرفقًا أساسيًا يرتبط مباشرة بالأمان والحق في الحركة.
وعوضًا عن مطالبة السكان بجمع تبرعات جديدة، يفترض أن تتحمل الوحدة المحلية تكاليف الاستبدال من الاعتمادات المخصصة للصيانة، ثم تطالب قانونيًا بقيمة التلفيات بعد ضبط الجناة، مع نشر جدول زمني محدد لإعادة التشغيل.
سوق يغذي السرقة
وفي تناول سابق لدوافع الجريمة، أكدت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن السرقة لا يصح ردها تلقائيًا إلى الفقر وحده، وهو تنبيه يمنع تبريرها ويعيد التركيز إلى الردع والرقابة.
على صعيد مواز، لا يكفي القبض على المنفذين إن ظل مسار بيع النحاس والكشافات بعيدًا عن الرقابة، لأن وجود مشترين يقبلون بضائع مجهولة المصدر يحول الاعتداء الفردي إلى سلسلة ربح تدفع نحو تكرار استهداف المرافق.
ومن هنا، يتعين مراجعة محال ومخازن الخردة القريبة، وفحص مصادر النحاس والكابلات المعروضة، وربط عمليات البيع بفواتير وبيانات واضحة، مع ملاحقة من يشتري ممتلكات عامة مسروقة أو يساعد في إخفاء مصدرها.
في الوقت ذاته، يحتاج الأهالي إلى قناة بلاغ سريعة تستجيب فورًا للمشاهدات المشبوهة، من دون تعريض المبلغين للخطر، على أن تتكامل مع دوريات أمنية ومتابعة محلية بدل الاعتماد على يقظة السكان وحدهم.
بناء على ذلك، يجب نشر نتيجة المحضر والتحقيق متى بدأت الإجراءات، مع بيان ما استعيد من مسروقات وما اتخذ لحماية الخط، لأن الشفافية هنا جزء من استعادة الثقة وليست منحة تقدمها الإدارة عند اشتداد الغضب.
ولا سيما أن الواقعة تأتي في محافظة شهدت من قبل سرقات لمكونات كهربائية وإشارات، فإن تجاهل النمط المتكرر يسمح للجناة باختبار المواقع الأقل حماية، ويجعل القرى الطرفية أهدافًا سهلة بسبب ضعف المتابعة والإنارة.
في المحصلة، يطالب سكان السلامية بإعادة تشغيل خط المصالحة سريعًا وتأمينه بصورة تمنع تكرار السرقة، إلى جانب محاسبة المقصرين، بعدما تحملوا سابقًا كلفة شراء وتركيب ما سرق بدلًا من الجهة المسؤولة عن الخدمة.
وأخيرًا، لن يكون تركيب أسلاك وكشافات جديدة كافيًا إذا بقيت أسباب الفشل على حالها، فالمطلوب خطة حماية وصيانة ومحاسبة معلنة، تعيد الإنارة وتحفظ المال العام وتمنع تحويل غضب الأهالي إلى دورة تبرعات جديدة.

