سجلت الفنادق والشاليهات في الساحل الشمالي زيادات تراوحت بين 10 و70% خلال موسم الصيف مع وصول بعض الغرف الفاخرة إلى 1000 دولار لليلة مدفوعة بارتفاع الطلب ومحدودية المعروض بما يضاعف كلفة الإجازة على المصريين.
ويكشف صعود الأسعار بهذه السرعة فجوة متزايدة بين منتجعات تستقبل القادرين على دفع مئات الدولارات يوميا وأسر مصرية تواجه ارتفاعا متواصلا في تكاليف السكن والغذاء والخدمات حتى بات قضاء أيام على الشاطئ حلما مكلفا.
وفي المقابل تشهد المنطقة تدفقات متزايدة من السياح العرب والأجانب بالتزامن مع توسع الرحلات الجوية إلى العلمين وهو ما يمنح المنشآت السياحية قدرة أكبر على رفع الأسعار وربط جانب من خدماتها بقدرات إنفاق تتجاوز متوسط الدخول المحلية.
ومن ناحية أخرى لا يمثل ارتفاع أسعار الإقامة مجرد حركة موسمية طبيعية إذ تتراوح الزيادات المعلنة بين 10 و70% خلال عام واحد وهي نسب تتجاوز قدرة قطاعات واسعة من الأسر على زيادة مخصصاتها للترفيه بالمعدل نفسه.
الليلة تلامس ألف دولار
بحسب محمد عمر المدير الإقليمي لمبيعات التسويق لفنادق ريكسوس وصلت أسعار الليلة في بعض الفنادق الفاخرة إلى نطاق بين 800 و1000 دولار بينما سجلت فنادق الأربع نجوم مستويات بين 350 و400 دولار خلال ذروة الموسم.
كما قدر عمر الزيادة السنوية في الأسعار بنحو 25% خلال يوليو مع وصولها إلى قرابة 40% خلال أغسطس بينما تشهد العطلات زيادات إضافية بما يعكس قوة الطلب وقدرة الفنادق على تمرير الارتفاع إلى الزائر مباشرة.
وبحسب تفسيره يرتبط جزء من الطفرة بإضافة رحلات جوية مباشرة تربط عواصم خليجية بمطار العلمين وهو تطور يوسع قاعدة الزائرين أصحاب الإنفاق المرتفع ويمنح الساحل سوقا سياحية تتجاوز الاعتماد التقليدي على المصطاف المصري.
وفوق ذلك فإن التسعير بمئات الدولارات يجعل تكلفة إقامة أسرة لعدة ليال تساوي دخولا شهرية كاملة لقطاعات من العاملين بما يعيد تشكيل طبيعة الساحل من مقصد صيفي إلى مساحة سياحية شديدة الارتباط بالقدرة المالية.
وبالتالي تتحول زيادة الطلب السياحي التي تقدم باعتبارها مؤشرا على نجاح المنطقة إلى معادلة أكثر تعقيدا حين يقترن النجاح بارتفاعات تجعل الاستفادة من الشريط الساحلي أقل قدرة على استيعاب أبناء البلد أصحاب الدخول المتوسطة.
وعلى جانب آخر تعرض عروض سياحية منشورة لفنادق بالساحل خلال صيف 2026 أسعارا تتجاوز 18 ألف جنيه لليلة في بعض منشآت الخمس نجوم بما يؤكد استمرار مستويات مرتفعة للإقامة حتى خارج التسعير الدولاري.
إلى جانب ذلك تطرح محدودية الطاقة الفندقية سؤالا بشأن سنوات التوسع العمراني الضخم في الساحل والعلمين إذ لم يؤد تدفق الاستثمارات حتى الآن إلى معروض كاف يكبح الأسعار أو يوفر شرائح واسعة ومتدرجة من الإقامة.
غير أن زيادة الرحلات الخارجية تمثل في المقابل فرصة حقيقية للسياحة المصرية وجذب العملة الأجنبية لكن تحويل هذه الفرصة إلى أسعار منفلتة يفرض تساؤلا حول التوازن بين تعظيم الإيرادات والحفاظ على سوق سياحة داخلية قابلة للحياة.
التطوير يضاعف كلفة الإقامة
أما أحمد حسيب الرئيس التنفيذي لشركة جيوان الإماراتية فأشار إلى أن أسعار الفنادق التي تديرها الشركة بالساحل ارتفعت بنسب تراوحت بين 20 و50% مع ربط تلك القفزات بعمليات التطوير والتحديث التي شهدتها المنشآت خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب حسيب تبدأ أسعار بعض الغرف من نحو 12 ألف جنيه لليلة مقارنة بنحو 8 آلاف جنيه سابقا مع وصول الإشغال خلال يوليو وأغسطس إلى مستويات مرتفعة تعكس قوة الطلب على المنطقة في ذروة الموسم.
ومن ثم فإن ارتفاع الإشغالات إلى مستويات تقارب الطاقة المتاحة يمنح المشغلين مساحة واسعة لزيادة الأسعار بينما يتحمل الزائر المحلي النتيجة في سوق لا تتوفر داخله بدائل فندقية كافية بمستويات سعرية تناسب الطبقة المتوسطة.
علاوة على ذلك يطرح الحديث عن التطوير باعتباره سببا للزيادة سؤالا عن المستفيد النهائي من الإنفاق الجديد إذا كانت تحسينات الفنادق تنتهي برفع تكلفة الإقامة إلى مستويات تخرج شرائح أوسع من المواطنين من دائرة العملاء.
وفي السياق ذاته لا تتوقف المشكلة عند الفنادق الفاخرة إذ تظهر بيانات سوق الإيجار أن الشاليهات والوحدات الخاصة سجلت أيضا قفزات كبيرة ما يعني أن البحث عن إقامة خارج الفنادق لا يوفر دائما مخرجا منخفض التكلفة.
وبدورها تعرض منصات تأجير تعمل في الساحل خلال 2026 وحدات تبدأ من نحو 4000 جنيه لليلة بينما ترتفع الأسعار بصورة كبيرة وفقا للموقع ومستوى التشطيب والقرب من البحر وهو ما يعكس اتساع نطاق التسعير المرتفع.
وبهذا يصبح التطوير العمراني الذي جرى الترويج له باعتباره توسعا في المقاصد السياحية مصحوبا بسوق شديدة التفاوت يستطيع فيها أصحاب الدخول المرتفعة شراء تجربة متكاملة بينما يواجه آخرون تكلفة يصعب إدراجها ضمن ميزانية سنوية عادية.
الشاليهات تطرد الطبقة المتوسطة
من جهته قدر هشام إدريس عضو الجمعية العمومية لغرفة شركات السياحة زيادة إيجارات الشاليهات والفيلات بما لا يقل عن 10% مقارنة بالموسم السابق في إشارة إلى امتداد موجة الغلاء من الفنادق إلى سوق الإقامة الخاصة.
وفي الوقت نفسه تظهر تقديرات السوق أن بعض الوحدات الاقتصادية تضاعفت أسعارها تقريبا بينما سجلت الشاليهات المتوسطة زيادات تصل إلى 70% لتنتقل المشكلة من المنتج الفاخر إلى خيارات كانت تاريخيا أقرب إلى إمكانات الأسر المتوسطة.
وبناء على ذلك لم يعد اختيار شاليه بعيدا عن الفنادق ضمانة لقضاء إجازة بتكلفة محدودة إذ يمكن أن تبدأ الوحدة المتوسطة من آلاف الجنيهات يوميا قبل إضافة الطعام والانتقالات والخدمات ورسوم الاستخدام داخل بعض القرى.
فضلا عن ذلك تصل إيجارات بعض الفيلات إلى عشرات الآلاف من الجنيهات لليلة الواحدة خصوصا الوحدات المطلة مباشرة على البحر وهو تسعير يعكس تحولا متسارعا نحو استهداف شرائح شديدة الثراء وزوار ذوي إنفاق مرتفع.
وفي موازاة ذلك تعكس شهادات مصطافين ارتفاع الشاليه المتوسط من نحو 6000 إلى 8000 جنيه لليلة خلال موسم واحد بما يدفع مجموعات وأسر اعتادت الساحل إلى تقليص مدة الإجازة أو البحث عن وجهات أخرى.
لذلك لا يبدو الحديث عن زيادة السياحة وحده كافيا لقياس نجاح الموسم إذ ينبغي النظر أيضا إلى قدرة المصريين على الوصول إلى شواطئ بلدهم ومدى وجود بدائل سياحية حقيقية لا تستهلك جزءا ضخما من دخولهم.
ومع ذلك تستفيد السياحة من تزايد الرحلات والزائرين الأجانب وهو تطور يمكن أن يرفع الإيرادات ويوفر فرص عمل لكنه يحتاج إلى توسع متوازن في الطاقة الفندقية حتى لا يتحول نقص المعروض إلى محرك دائم لقفزات الأسعار.
وفي المحصلة تكشف زيادات وصلت إلى 70% ووصول الليلة الفندقية إلى 1000 دولار أن الساحل الشمالي يتحول بسرعة إلى سوق دولية مرتفعة التكلفة بينما تتراجع مساحة الطبقة المتوسطة المصرية داخل مقصد كان يوما أكثر اتساعا اجتماعيا.
وأخيرا فإن زيادة أعداد الزائرين تمثل مكسبا للاقتصاد السياحي لكن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون الإشغال والإيرادات وحدهما إذ يبقى السؤال قائما حول من يستطيع فعليا تحمل تكلفة الاستمتاع بساحل يمتد داخل بلاده.

