كشف تحقيق بصري وملاحي أجراه فريق مسبار في التلفزيون العربي تفاصيل جديدة بشأن الهجوم الذي استهدف سفينتين للغاز داخل ميناء دمياط في 29 يوليو الماضي، قبل أن تعلن الحكومة المصرية الواقعة في اليوم التالي، إذ أعاد الفريق بناء تسلسل الأحداث وحلل بيانات الحركة الملاحية وصور الأقمار الصناعية والمشاهد المصورة، وانتهى إلى ترجيح قدوم الضربات من الجهة الشرقية للميناء.
وبينما لم تعلن القاهرة حتى الآن اسم الجهة التي تقف خلف الهجوم، تفتح نتائج التحقيق بابا واسعا أمام أسئلة تتجاوز الحادث نفسه، بدءا من كيفية وصول أكثر من طائرة مسيرة إلى منشأة حيوية شديدة الحساسية، مرورا بمصدر إطلاقها ومسارها، وانتهاء بتداعيات العملية على أمن الموانئ والطاقة وحركة الغاز في شرق البحر المتوسط، في وقت تتصاعد فيه المواجهات الإقليمية وتتداخل مسارات الاتهام بين إيران وإسرائيل وحلفائهما.
السفينتان ومسار الحريق
بدأ فريق مسبار تحقيقه بتحديد هوية السفينتين اللتين ظهرتا في المشاهد المصورة خلال الحريق وعمليات الإطفاء، واعتمد في ذلك على مقارنة أشكال الهياكل البحرية ومواضع الرسو مع بيانات الحركة الملاحية، ليتبين أن السفينة الأولى هي إنرجوس وينتر، وهي وحدة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تحويله إلى حالته الغازية.
وترفع إنرجوس وينتر علم جزر مارشال، وتعود ملكيتها إلى شركة إنرجوس إنفراستركتشر المدرجة في بورصة نيويورك، بينما تتولى إدارتها شركة ويلهلمسن النرويجية من خلال فرعها في هيوستن بولاية تكساس، وتحمل السفينة رقم التسجيل الدولي 9256614، وقد وصلت إلى ميناء دمياط قادمة من تركيا في 30 سبتمبر 2025.
وبحسب البيانات التي أوردها التحقيق، بدأ تشغيل الوحدة تدريجيا منذ أكتوبر 2025 بعد ربطها برصيف الشركة المتحدة لمشتقات الغاز داخل الميناء، وتبلغ طاقتها التخزينية نحو 138250 مترا مكعبا من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعلها جزءا مهما من البنية التحتية المستخدمة في استقبال الغاز وتخزينه وإعادة ضخه إلى الشبكة.
أما السفينة الثانية فهي غازلوغ سالم، وهي ناقلة للغاز الطبيعي المسال ترفع علم برمودا وتحمل رقم التسجيل الدولي 9638915، وتعود ملكيتها إلى شركة سي إل غاز تن المسجلة في اليونان، بينما تديرها وتشغلها شركة غازلوغ لخدمات الغاز الطبيعي المسال.
ووصلت الناقلة إلى ميناء دمياط في 28 يوليو الماضي، أي قبل الهجوم بيوم واحد فقط، ثم رست على رصيف الغاز الطبيعي المسال، وهو توقيت يضفي أهمية إضافية على تحليل حركتها وموقعها ساعة وقوع الضربات، خصوصا في ظل عدم إعلان السلطات تفاصيل دقيقة عن طبيعة المهمة التي كانت تنفذها وقت الاستهداف.
وأظهرت بيانات منصة مارين ترافيك أن السفينتين كانتا راسيتين على رصيفين منفصلين، تفصل بينهما مسافة تقارب 800 متر، وهو ما يضعف فرضية انتقال النيران تلقائيا من سفينة إلى أخرى، ويعزز بدلا منها احتمال تعرض كل منهما لضربة مستقلة.
وتتقاطع هذه النتيجة مع تصريحات وزير النقل المصري كامل الوزير، الذي قال إن طائرة مسيرة انفجرت بالقرب من السلم العلوي فوق ظهر سفينة التخزين، بينما أصابت مسيرة أخرى أحد الأنابيب وخزانا فرعيا أعلى وحدة إعادة التغويز، ما أدى إلى تسرب الغاز واندلاع الحريق.
كما رصد فريق مسبار شهادات متداولة لسكان في دمياط تحدثوا عن سماع صوت انفجارين وقت الحادث، ثم تحقق من المواد المتاحة حول تلك الشهادات، وهي معطيات تدعم بدورها احتمال استخدام أكثر من مسيرة، بدلا من وقوع انفجار واحد أدى لاحقا إلى سلسلة حرائق داخل الموقع.
إعادة بناء لحظة الهجوم
اعتمد التحقيق على حركة قاطرات الميناء لتقدير التوقيت الأقرب للحادث، إذ أظهرت البيانات تحرك القاطرة أبو زيد في الساعة 11:07 بالتوقيت العالمي، بما يوافق نحو الساعة 2:07 بعد الظهر بتوقيت القاهرة، قبل أن تتحرك خمس قاطرات أخرى تباعا باتجاه السفينتين.
ويرجح هذا التحرك المكثف أن الحريق أو الانفجار وقع قبيل ذلك التوقيت مباشرة، لأن قاطرات الموانئ لا تتجه عادة بهذا العدد إلى موقع واحد إلا عند حدوث طارئ يستلزم التدخل السريع، سواء لإطفاء حريق أو سحب سفينة أو منع اتساع نطاق الخطر.
ولم يكتف فريق مسبار بالبيانات الملاحية، بل انتقل إلى تحليل المقاطع المصورة المنشورة من موقع الحادث، ومن بينها مقطع بثته وكالة رويترز يظهر تصاعد الدخان من الجزء الخلفي لسفينة إنرجوس وينتر، بالقرب من جانبها الأيمن، وهي ملاحظة شكلت نقطة البداية لتحديد الاتجاه المحتمل للضربة.
كما حلل الفريق مقطعا آخر نشره أحد المستخدمين عبر منصة تيك توك، ظهر فيه موقع السفينتين بعد الاستهداف وهما راسيتان في الموضعين اللذين حددتهما بيانات الحركة الملاحية، وأظهر المقطع بدوره تصاعد النيران من مؤخرة إنرجوس وينتر قرب الجانب الأيمن من جسمها.
لكن تحديد الجانب الأيمن للسفينة لم يكن كافيا وحده لمعرفة الاتجاه الجغرافي الذي أتت منه المسيرة، لذلك قارن الفريق المشاهد المصورة مع وضعية الرسو التي ظهرت في بيانات الملاحة وصور الأقمار الصناعية، ليتبين أن مقدمة السفينة كانت متجهة نحو الشمال.
وبناء على هذه الوضعية، كان الجانب الأيمن للسفينة يواجه الشرق، بينما كان جانبها الأيسر يواجه الغرب، ومن ثم خلص التحقيق إلى أن موضع الإصابة يرجح وصول الضربة من الجهة الشرقية، استنادا إلى مكان اشتعال النيران واتجاه جسم السفينة وموقع الرصيف داخل الميناء.
وعزز الفريق هذا الاستنتاج بتحليل المحيط الجغرافي لميناء دمياط، إذ رأى أن مسارا قادما من الجنوب كان سيفرض على الطائرة المسيرة تنفيذ مناورة أوسع قبل الوصول إلى الجانب الأيمن من السفينة، وهو احتمال أقل اتساقا مع موضع الإصابة الظاهر في المقاطع المتاحة.
ومع ذلك، لا يمثل هذا الترجيح دليلا نهائيا على نقطة الإطلاق، لأن تحديد اتجاه الاصطدام لا يكشف وحده المسار الكامل للطائرة، كما أن المسيرة قد تكون غيرت اتجاهها قبل الوصول إلى الهدف، أو أطلقت من نقطة لا تقع بالضرورة على خط مستقيم مع موقع الإصابة.
منصة بحرية أم هجوم إقليمي؟
فتح وقوع ميناء دمياط على البحر المتوسط، مع ترجيح وصول الضربة من الشرق، احتمال أن تكون المسيرات قد أطلقت من البحر أو من منصة بحرية قريبة، وهو سيناريو يمنح الجهة المنفذة قدرة على الاقتراب من الهدف وتقليص زمن اكتشاف الطائرة قبل وصولها.
واستشهد التحقيق بعمليات سابقة استخدمت فيها طائرات صغيرة موجهة أطلقت من قوارب بحرية، ومنها عملية أعلنت عنها الاستخبارات العسكرية الأوكرانية ضد مواقع روسية فوق منصة لإنتاج الغاز في البحر الأسود، بما يوضح أن نقل منصة الإطلاق إلى البحر أصبح أسلوبا قابلا للتنفيذ عمليا.
ويتميز هذا الأسلوب بأنه لا يحتاج إلى طائرات بعيدة المدى، كما يسمح بإطلاق المسيرات من مسافة قصيرة نسبيا، ويقلل المدة المتاحة للرصد والإنذار، خصوصا عندما يكون الهدف منشأة ساحلية أو سفينة راسية بالقرب من مدخل ميناء مفتوح على البحر.
غير أن فريق مسبار لم يحسم هذا السيناريو، بل أبقاه في إطار الاحتمال الفني والعملياتي، نظرا لغياب بيانات رسمية عن مسار الطيران أو بقايا الطائرات أو نوعها أو مدى تشغيلها، وهي معلومات ضرورية لتحديد ما إذا كانت انطلقت من البر أم البحر.
أما سؤال الجهة المنفذة، فيبقى الأكثر غموضا، إذ لم توجه الحكومة المصرية اتهاما مباشرا إلى أي طرف، رغم تداول اتهامات غير رسمية لإيران أو أحد حلفائها في المنطقة، بالتزامن مع الحرب التي اندلعت ضد طهران في 28 فبراير الماضي.
وفي أول موقف إيراني، نفى وزير الخارجية عباس عراقجي ضمنيا مسؤولية بلاده، مؤكدا أن مصر صديق وشريك مهم وأن أمنها يحظى بأهمية قصوى لدى طهران، كما حذر مما وصفه بمخططات إسرائيلية وعمليات راية زائفة تستهدف ضرب الاستقرار الإقليمي.
وجاء هذا الموقف ضمن نمط متكرر منذ اندلاع الحرب، إذ سبق أن نفت الخارجية الإيرانية وقوفها وراء هجمات أخرى بطائرات مسيرة في المنطقة، واتهمت إسرائيل بالمسؤولية عن عمليات استهدفت مواقع في السعودية وعمان، في إطار حرب اتهامات تتسع مع كل حادث غامض.
كما نفت جماعة أنصار الله الحوثية مسؤوليتها عن هجوم دمياط على لسان عضو مكتبها السياسي محمد البخيتي، ما أبقى دائرة الشبهات مفتوحة من دون دليل حاسم يربط العملية بجهة محددة، سواء عبر إعلان مسؤولية أو معلومات استخباراتية موثقة.
ويكشف غياب الرواية الرسمية المفصلة عن فجوة كبيرة بين حجم الحادث وما أعلن عنه، إذ تعرضت سفينتان مرتبطتان بمنظومة الغاز لضربتين داخل ميناء مصري، بينما لم تقدم السلطات حتى الآن شرحا واضحا لمسار الهجوم أو نوع المسيرات أو كيفية اختراقها المجال المحيط بالمنشأة.
وبحسب آخر بيانات الحركة الملاحية الواردة في التحقيق، ظلت السفينتان متوقفتين قبالة سواحل دمياط، بينما بقيت الأسئلة الأساسية معلقة حول هوية المهاجم ونقطة الإطلاق ومدى تأثر عمليات الغاز، فضلا عن الإجراءات التي اتخذت لمنع تكرار هجوم مماثل.
وفي المحصلة، لا يقدم تحقيق مسبار إجابة نهائية عن الجهة التي أطلقت المسيرات، لكنه يضيق نطاق الاحتمالات من خلال إعادة بناء موقع السفينتين وتوقيت الاستجابة ومواضع الإصابات، ويرجح أن الضربات جاءت من الشرق، مع إبقاء احتمال الإطلاق البحري قائما.
وتتجاوز خطورة الحادث حدود الأضرار المادية المباشرة، لأنه يكشف قابلية منشأة حيوية داخل ميناء استراتيجي للتعرض لهجوم بطائرات مسيرة، ويضع أمن الطاقة والموانئ المصرية أمام اختبار حقيقي، في منطقة أصبحت فيها المسيرات أداة منخفضة الكلفة وعالية التأثير في الصراعات المفتوحة والعمليات الغامضة.

