فرضت وزارة التجارة الأمريكية رسوما نهائية على واردات حديد التسليح المصرية، تراوحت رسوم مكافحة الإغراق فيها بين 34.20% و52.73%، وأضافت رسوما تعويضية بنسبة 23.27%، ما يرفع كلفة دخول المنتج المصري ويهدد قدرته على المنافسة.
ويأتي القرار بينما تسعى القاهرة إلى توسيع صادراتها وجذب العملة الأجنبية، لكنه يكشف هشاشة الاعتماد على أسواق محدودة وسياسات دعم مثيرة للنزاع، إذ يجد المنتج المصري نفسه محاصرا برسوم قد تتجاوز 100% بعد إضافة القيود العامة.
وفي أحدث التطورات، أنهت الوزارة تحقيقاتها في 28 يوليو، بعد أشهر من فحص أسعار التصدير وبرامج الدعم الحكومي، مثبتة هوامش الإغراق التي سبق إعلانها مؤقتا، بينما خفضت الرسم التعويضي النهائي من 29.51% إلى 23.27%.
وبحسب القرار، أبقت واشنطن هامش إغراق 34.20% على شركات مجموعة حديد عز وغالبية المصدرين المصريين، بينما فرضت 52.73% على شركتي المراكبي للصلب والسويس للصلب، في تفاوت يعكس نتائج التحقيق الخاصة بكل منتج.
وفي الوقت نفسه، تضاف هذه الرسوم إلى رسم عام بنسبة 50% على واردات الصلب، ما يعني أن بعض المصدرين المصريين قد يواجهون عبئا إجماليا يصل إلى نحو 126% عند جمع أنواع الرسوم المختلفة.
ومع ذلك، لا تصبح الإجراءات دائمة بصورة نهائية إلا إذا خلصت لجنة التجارة الدولية الأميركية إلى أن الواردات المصرية ألحقت أو هددت بإلحاق ضرر مادي بصناعة حديد التسليح الأميركية، وهو التحقيق الذي لا يزال مستمرا.
رسوم تخنق السوق الأميركية
وفي قراءة للقرار، قال محمد حنفي، مدير غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، إن الجانب المصري خاض مفاوضات طويلة أملا في خفض الرسوم، غير أن النتيجة أبقتها عند مستويات مرتفعة تضعف فرص المنتج المصري بالسوق الأميركية.
وأوضح حنفي أن صادرات الحديد المصرية استفادت سابقا من رسوم أقل مقارنة ببعض المنافسين، حتى ظهرت أفكار لدى منتجين أجانب للتصدير عبر مصر، قبل أن تتوسع التحقيقات الأميركية لتشمل مزاعم تتعلق بالدعم الحكومي.
وأضاف أن الجانب الأميركي احتسب ضمن برامج الدعم عناصر مرتبطة بأسعار الغاز الطبيعي والكهرباء وبعض برامج التمويل والحوافز، وهي نقاط ترى الصناعة المصرية أنها لا تعني بالضرورة حصول المنتجين على ميزة تجارية غير عادلة.
وبالتالي، لا تقتصر المشكلة على اتهامات البيع بأقل من القيمة العادلة، لأن الرسوم التعويضية تفترض أيضا مساهمة الدولة في خفض تكلفة الإنتاج، بما يضع سياسات الطاقة والتمويل الصناعي المصرية نفسها تحت تدقيق تجاري أميركي.
كما تكشف بيانات التجارة الأميركية أن واردات حديد التسليح المصرية قفزت من مستويات شبه معدومة في 2022 إلى نحو 243.1 ألف طن بقيمة 145.2 مليون دولار خلال 2023، قبل بدء رحلة التراجع التالية.
وفي العام التالي، انخفضت الكميات إلى نحو 205.8 ألف طن بقيمة 114.8 مليون دولار خلال 2024، ما يؤكد أن الولايات المتحدة تحولت إلى سوق مهمة للصناعة المصرية قبل أن تبدأ التحقيقات والقيود التجارية الجديدة.
ومن ناحية أخرى، تراجعت صادرات الحديد المصرية إجمالا خلال الربع الأول من 2026 بنسبة 13%، مسجلة نحو 404 ملايين دولار مقابل 463 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، وسط ضغوط خارجية متصاعدة.
أسواق بديلة تحت الضغط
وفي تقييم تداعيات القرار، قال رامي صالح، الرئيس التنفيذي لتطوير الأعمال والتسويق والاستدامة والتصدير بشركة المراكبي للصلب، إن جمع رسوم الإغراق والتعويض والرسوم العامة يرفع العبء على بعض المصدرين المصريين إلى أكثر من 125%.
وبحسب صالح، كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أهم أسواق صادرات حديد التسليح المصرية، ولذلك فإن تشديد القيود في السوقين بالتزامن يجبر الشركات على البحث سريعا عن منافذ جديدة تستطيع استيعاب الإنتاج المصري.
وأشار صالح إلى أن البدائل تشمل دول تجمع ميركوسور وبعض أسواق البلقان والدول العربية، غير أن التحول إليها لن يكون تلقائيا، بسبب اختلاف الأسعار والمنافسة وتكاليف الشحن والاتفاقات التجارية والقدرة الاستيعابية لكل سوق.
كذلك لم تعد السوق الأوروبية منفذا مفتوحا بالكامل، إذ تستفيد الصادرات المصرية من حصة محددة معفاة من الرسوم، بينما تواجه الكميات التي تتجاوزها رسوما مرتفعة، ما يصعب تعويض الخسائر المحتملة في الولايات المتحدة.
ومن ثم، يتحول تنويع الأسواق إلى ضرورة للصناعة المصرية، لكنه يحتاج سياسة تصديرية تتعامل مع تكلفة التمويل والطاقة والنقل وتوسيع الاتفاقات التجارية، بدلا من ترك الشركات تواجه منفردة موجة حمائية عالمية متزايدة.
وفي المقابل، قد يؤدي توجيه كميات أكبر إلى السوق المحلية إلى زيادة المعروض والضغط على الأسعار، لكنه في الوقت نفسه يقلل حصيلة الشركات من العملة الأجنبية ويضغط على هوامش أرباح المنتجين وقدرتهم التصديرية.
صادرات تدفع ثمن السياسات
ومن زاوية السوق المحلية، يرى أحمد الزيني، رئيس شعبة مواد البناء باتحاد الغرف التجارية، أن صناعة الحديد شديدة الحساسية لتغير تكاليف الطاقة ومدخلات الإنتاج والأسواق الخارجية، بما يجعل أي اضطراب كبير مؤثرا في حركة المنتجين.
ويرتبط ذلك بكون صناعة الحديد من القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بينما تدخل أسعار الغاز والكهرباء تحديدا ضمن العناصر التي احتسبتها السلطات الأميركية باعتبارها برامج دعم، وهو ما يضع الصناعة بين ضغوط التكلفة والرسوم الخارجية.
وعلاوة على ذلك، يطرح القرار تساؤلات بشأن جدوى المفاوضات التي سبقت النتيجة النهائية، بعدما طالبت وزارة الصناعة المصرية واشنطن بمراجعة الرسوم المؤقتة، دون أن تنجح تلك المساعي في خفض هوامش الإغراق إلى مستويات تسمح بالمنافسة.
وفي الوقت ذاته، لا تعني نتائج وزارة التجارة إغلاق السوق الأمريكية بصورة نهائية، لأن المسار القانوني لم يكتمل، فيما تملك لجنة التجارة الدولية سلطة تحديد ما إذا كانت الواردات المصرية سببت ضررا يستوجب استمرار الإجراءات.
وبناء على ذلك، تظل أمام الشركات والحكومة فرصة للدفاع عن الصادرات من خلال بيانات الأسعار والحصص السوقية وطبيعة برامج الدعم، لكن صدور قرار يؤكد الضرر سيحول الرسوم المرتفعة إلى حاجز طويل الأجل أمام المنتج المصري.
غير أن القضية تكشف خطورة النمو السريع في سوق تصديرية واحدة دون تأمين بدائل، إذ يمكن للتحقيقات والرسوم الحمائية أن تحول خلال أشهر سوقا واعدة إلى منفذ شبه مغلق، مهما كانت الشركات قادرة على الإنتاج.
وفي المحصلة، يهدد القرار الأميركي سوقا استقبلت في عام واحد أكثر من 243 ألف طن من حديد التسليح المصري، بينما أصبحت بعض الشركات تواجه رسوما مركبة تقترب من 126%، بما يقوض جدوى التصدير اقتصاديا.
وأخيرا، لا تتعلق الأزمة بشركة واحدة أو شحنة عابرة، وإنما بقدرة الصناعة المصرية على المنافسة عالميا، وبمدى نجاح الحكومة في خفض تكاليفها وحماية صادراتها، قبل أن تتحول الرسوم الأميركية والأوروبية إلى حصار متزامن لأسواق الحديد.

