قتل 9 مدنيين وأصيب 14 آخرون، في هجوم بطائرة مسيّرة نسب إلى قوات الدعم السريع واستهدف قرية الجمامة شمال غربي مدينة بارا بولاية شمال كردفان، وسط تصاعد المعارك عقب تقدم الجيش السوداني واستعادته مناطق وطرقا استراتيجية تربط الأبيض بالخرطوم.
ويكشف الهجوم دخول المواجهة في إقليم كردفان مرحلة أكثر دموية، بعدما تحولت القرى والأسواق ومناطق تجمع المدنيين إلى أهداف مباشرة للطائرات المسيّرة والعمليات البرية، بالتزامن مع تهديدات أطلقها قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو بتوسيع الحرب والتحرك مجددا نحو العاصمة.
استهداف المدنيين في الجمامة
أفاد مصدر طبي بأن ضربة بطائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع أصابت قرية الجمامة صباح الأربعاء، وأسفرت عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 14 آخرين، بينهم حالات احتاجت إلى تدخل طبي عاجل في ظل تدهور الخدمات الصحية بالمنطقة.
وتقع الجمامة شمال غربي مدينة بارا التي شهدت خلال الأيام الماضية معارك عنيفة بين الجيش وقوات الدعم السريع، مع سعي الطرفين للسيطرة على الطرق التي تربط شمال كردفان بالعاصمة الخرطوم وبقية مناطق الإقليم.
واتهمت مجموعة محامو الطوارئ قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين في المنطقة، شملت الاعتداء على السكان ومداهمة المنازل ونهب الممتلكات وتخريب سوق الجمامة، بما أدى إلى نزوح أسر بحثا عن مناطق أكثر أمنا.
وأشارت إفادات محلية إلى أن الهجوم لم يقتصر على القصف الجوي، بل رافقته اعتداءات ميدانية طالت ممتلكات المدنيين ومصادر رزقهم، في وقت يواجه فيه سكان شمال كردفان نقصا حادا في الغذاء والدواء ووسائل النقل.
ويعكس استهداف السوق خطورة متزايدة على حياة السكان، إذ تمثل الأسواق الريفية مركزا لتوفير الغذاء والسلع الأساسية ومصدر دخل للتجار والمزارعين، بينما يؤدي تدميرها إلى تعميق العزلة ورفع الأسعار وتعطيل حركة الإمدادات.
وتأتي هذه التطورات ضمن سلسلة من الهجمات التي استهدفت المدنيين في شمال كردفان، حيث كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة عن مقتل وإصابة 48 طفلا منذ أواخر مايو، وسط توسع استخدام المسيّرات في المناطق السكنية.
الجيش يتقدم نحو بارا
اندلع التصعيد الجديد بعدما أعلن الجيش السوداني استعادة السيطرة على مدينة بارا وعدد من القرى المحيطة بها، إضافة إلى طريق سريع يربط مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، بالعاصمة الخرطوم.
ويمثل الطريق أهمية عسكرية ولوجستية كبيرة، إذ يسمح بنقل القوات والإمدادات بين وسط السودان وغربه، ويخفف العزلة التي فرضتها قوات الدعم السريع على مدينة الأبيض خلال محاولاتها المتكررة لتطويقها وقطع خطوط الإمداد عنها.
كما أعلن الجيش ضبط ترسانة من الطائرات المسيّرة والمعدات العسكرية في منطقة جبرة الشيخ، في مؤشر على حجم اعتماد قوات الدعم السريع على هذا النوع من الأسلحة لتعويض خسائرها البرية وتنفيذ هجمات بعيدة عن خطوط المواجهة.
وتعرضت مدينة الأبيض بدورها لهجمات بطائرات مسيّرة عقب تقدم الجيش، ما يشير إلى انتقال الدعم السريع من محاولة السيطرة البرية المباشرة إلى استخدام الضربات الجوية لإرباك القوات الحكومية واستهداف البنية التحتية والمناطق المدنية.
ويبدو أن معركة شمال كردفان أصبحت محورية في تحديد اتجاه الحرب، بسبب موقع الولاية بين الخرطوم ودارفور، وسيطرة من يتحكم فيها على طرق حيوية تسمح بالتحرك العسكري ونقل السلاح والوقود والغذاء.
وفي المقابل، لم تصدر قوات الدعم السريع ردا تفصيليا على اتهامات استهداف المدنيين في الجمامة، بينما تواصل اتهام الجيش باستخدام الطائرات في قصف مناطق خاضعة لسيطرتها والتسبب في سقوط ضحايا مدنيين.
تهديد جديد بالخرطوم
جاء هجوم الجمامة بعد أيام من رسالة مصورة وجهها محمد حمدان دقلو إلى مقاتليه في الخطوط الأمامية، قال فيها إن الرسن لم يعد في يديه، وإن القرار أصبح بيد القوات، في تعبير أثار مخاوف من منح المقاتلين حرية أوسع في تنفيذ العمليات.
وفي ظهور آخر أمام تجمع من قواته، أعلن دقلو أن هدف المرحلة المقبلة هو العودة إلى الخرطوم، التي تمكن الجيش من استعادة السيطرة عليها خلال العام الماضي بعد معارك طويلة أخرجت قوات الدعم السريع من معظم مواقعها بالعاصمة.
ويعكس التهديد محاولة لرفع معنويات قوات الدعم السريع بعد خسارتها بارا والطريق المؤدي إلى الأبيض، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف حقوقية من ترجمة خطاب إطلاق الرسن إلى مزيد من الانتهاكات والانتقام من المجتمعات الواقعة في مناطق القتال.
وتعتمد قوات الدعم السريع بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة منذ خسارتها مساحات واسعة في وسط وشرق السودان، بعدما كشفت تقارير سابقة امتلاكها طائرات انتحارية بعيدة المدى وقدرات تتيح لها ضرب مواقع تبعد مئات الكيلومترات.
وبحسب تقديرات أممية، قتلت هجمات المسيّرات أكثر من ألف سوداني في مناطق مختلفة منذ بداية العام، مع تزايد استخدامها ضد مدن ومنشآت مدنية وعسكرية، في تحول جعل المجال الجوي امتدادا جديدا للحرب المفتوحة.
وتدخل الحرب بين الجيش والدعم السريع عامها الرابع دون نجاح المبادرات الدولية في فرض وقف لإطلاق النار، بعدما أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين ودفعت السودان إلى ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة نزوح وجوع في العالم.
وبينما يعلن الجيش توسيع مكاسبه في شمال كردفان، ويتمسك الدعم السريع بالتصعيد والعودة إلى الخرطوم، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تعرضا للقتل والنزوح والنهب، وسط غياب مسار سياسي قادر على وقف الحرب أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

