رصد الكاتب في تقرير نشره موقع «نون بوست» تفاعل الشارع المصري مع التطورات الجارية في تونس، حيث تتابع قطاعات واسعة من المصريين الاحتجاجات التي تشهدها البلاد ضد حكم الرئيس قيس سعيد، والتي تُعد من أبرز التحركات الشعبية خلال السنوات الأخيرة من حيث الزخم، بالتزامن مع الذكرى الخامسة للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيد في 25 يوليو 2021، والتي لا تزال تُعد من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ تونس الحديث.

 

وأوضح المصدر، موقع «نون بوست»، أن الاحتجاجات التي خرجت في الشوارع التونسية بدأت بدوافع اقتصادية ومعيشية، في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتكرار انقطاع المياه والكهرباء وتفاقم الأوضاع الاجتماعية، إلا أن البعد السياسي والحقوقي ظل حاضرًا بقوة باعتباره أحد المحركات الرئيسية التي أعادت تنشيط الاحتجاجات بعد سنوات من الركود والتضييق الأمني والقيود المفروضة على المجال العام.

 

تونس في المخيلة المصرية.. من شرارة يناير إلى مؤشر للحراك العربي

 

 

أشار التقرير إلى أن التحركات التونسية الحالية تعكس استمرار حيوية المشهد السياسي في البلاد، وفشل المقاربة الأمنية في إنهاء المعارضة أو إخراجها بشكل دائم من المجال العام، رغم القيود التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية.

 

وسرعان ما امتدت أصداء هذه الأجواء إلى الشارع المصري، حيث بدأ المصريون في قراءة الأحداث من زوايا مختلفة، مستعيدين ذكريات ما قبل 15 عامًا عندما أطلق التونسيون شعارهم الشهير «الشعب يريد إسقاط النظام»، الذي عاد ليتردد مجددًا في الاحتجاجات الحالية.

 

ويفسر التقرير الاهتمام المصري الكبير بما يحدث في تونس بخصوصية التجربة التونسية في الوعي الشعبي المصري، إذ لا تزال البلاد حاضرة باعتبارها الشرارة الأولى التي مهدت لثورة يناير 2011، كما ينظر إليها كثيرون باعتبارها مؤشرًا لقياس قدرة الشارع العربي على استعادة حضوره في مواجهة القبضة الأمنية والأنظمة السلطوية.

 

ويرى بعض المصريين أن بقاء تونس دون حراك يعني صعوبة تحرك عواصم عربية أخرى، وهو تصور جعل تونس في المخيلة الشعبية بمثابة متغير مستقل قد يؤدي إلى تحولات سياسية واجتماعية تمتد آثارها إلى محيطها الإقليمي.

 

كما يرى مصريون كثيرون تشابهًا بين الظروف التونسية والواقع الداخلي في بلادهم، سواء من حيث الأزمات الاقتصادية، أو تضييق المجال العام، أو الضغوط على المعارضة، أو تراجع الحريات، أو انتشار الفساد، أو عجز الحكومات عن تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

 

الإعلام المصري وتعامل حذر مع الاحتجاجات التونسية

 

 

أكد التقرير أن الخطاب الإعلامي المصري تعامل مع الاحتجاجات التونسية بحذر واضح، حيث اعتمد في الغالب على لغة إخبارية محدودة، ونقل بيانات الجهات الرسمية ووكالات الأنباء والمراكز المعروفة، مع تجنب التوسع في التحليلات السياسية أو تقديم قراءات معمقة لأبعاد الحراك.

 

وسبق الإعلام الرسمي، ممثلًا في بعض المؤسسات الصحفية مثل صحيفة «الأهرام»، اندلاع الاحتجاجات من خلال تبني رواية النظام التونسي بشأن أزمات انقطاع الكهرباء والمياه وانتشار الحرائق، والتي وصفتها السلطات بأنها «ظواهر غير طبيعية»، محذرة من وجود أطراف تسعى إلى استغلال الأزمات لتحقيق أهداف سياسية.

 

أما الصحف المستقلة والخاصة، فقد اختلفت طريقة تناولها للأحداث؛ إذ ركز بعضها على الظروف الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها السبب الرئيسي وراء الاحتجاجات، بينما ربطت أخرى بين التحركات الشعبية وتراجع الحريات، والضغط على المعارضة، واعتقال الخصوم السياسيين، معتبرة أن الاحتجاجات جاءت نتيجة طبيعية للإجراءات التي اتخذها قيس سعيد منذ عام 2021.

 

ولفت التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من التغطية الإعلامية المصرية ركز على مشاركة حركة النهضة وجبهة الخلاص الوطني، مع إغفال نسبي لمشاركة التيارات المدنية والليبرالية وغيرها من القوى السياسية، وهو ما قد يؤدي إلى وضع الاحتجاجات داخل إطار أيديولوجي محدد يقلل من تنوعها السياسي والاجتماعي.

 

كما هيمنت القضايا الاقتصادية والمعيشية، مثل انقطاع الخدمات وارتفاع الأسعار وموجات الحر والحرائق، على معظم التغطيات، مقابل حضور أقل للملفات السياسية والحقوقية المتعلقة باستقلال القضاء واعتقال المعارضين ومستقبل النظام السياسي.

 

ثلاث قراءات مصرية للحراك التونسي بين التأييد والقلق

 

 

أوضح التقرير أنه لا توجد رؤية مصرية موحدة تجاه ما يحدث في تونس، إذ تنقسم قراءات المصريين إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية تعكس اختلافاتهم السياسية والفكرية.

 

يمثل الاتجاه الأول مؤيدو النظام المصري، الذين يميلون إلى دعم حكومة قيس سعيد، ويرون الاحتجاجات باعتبارها حالة من الفوضى تهدد أمن الدولة واستقرارها. ويعتمد هذا التيار على روايات تشكك في دوافع الحراك، مثل اتهام الإسلاميين بالوقوف خلفه أو الحديث عن دعم خارجي له.

 

أما الاتجاه الثاني فيضم المدافعين عن الحريات والحقوق والتيارات المرتبطة بالثورة، حيث يرون الاحتجاجات تجسيدًا لحق الشعب التونسي في الاعتراض على ما يعتبرونه توجهًا سلطويًا من جانب قيس سعيد، خاصة بعد الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها منذ عام 2021، والتي يرون أنها عززت حكم الفرد وأضعفت المؤسسات.

 

ويعتقد أنصار هذا الاتجاه أن المطالب الحالية لم تعد مرتبطة بحركة النهضة أو التيار الإسلامي فقط، بل أصبحت تعبيرًا عن مزاج شعبي أوسع يضم قوى اجتماعية وسياسية مختلفة، ويرتبط بقضايا الحريات والظروف الاقتصادية والخدمات الأساسية ومستقبل النظام السياسي.

 

وبين هذين الاتجاهين توجد شريحة واسعة من المصريين لا تنتمي بشكل مباشر إلى السلطة أو المعارضة، ويمكن وصفها بالتيار الثالث، إذ تعترف بحق التونسيين في الاحتجاج على تدهور الأوضاع السياسية والحقوقية والمعيشية، لكنها في الوقت ذاته لا تمنح دعمًا كاملًا للمعارضة التونسية التي تراها منقسمة وتفتقر إلى قيادة موحدة وبرنامج واضح قادر على تقديم بديل مقنع.

 

وخلص التقرير إلى أن المصريين لا ينظرون إلى ما يحدث في تونس باعتباره شأنًا داخليًا تونسيًا فقط، بل يرونه مؤشرًا مبكرًا لما قد تشهده دول عربية أخرى، انطلاقًا من الاعتقاد الراسخ لدى بعضهم بأن تونس قادرة على نقل عدوى الحراك السياسي والاجتماعي إلى محيطها كما حدث خلال موجة الربيع العربي.

 

ولهذا يحظى المشهد التونسي بهذا القدر من المتابعة المصرية، في ظل حالة من الترقب والقلق بشأن نتائج الاحتجاجات، وما إذا كانت ستظل محصورة داخل حدود تونس أم ستفتح الباب أمام تحولات سياسية واجتماعية أوسع في المنطقة.

 

https://www.noonpost.com/en/380258/amp/