سخر عالم الفضاء المصري عصام حجي خلال يوليو 2026 من تصريحين صادرين عن مسؤولين حكوميين في مصر، أحدهما بوزارة البترول والآخر لنائب وزير، معتبرًا أن الردود غير العلمية تكشف خللًا إداريًا يبدد الثقة العامة.

 

ويكشف هذا السجال كيف تحولت الملفات المرتبطة بالطاقة والمياه، وهي قضايا تمس حياة ملايين المصريين، إلى مساحة للتخفيف والسخرية الرسمية، بينما يتحمل المواطن كلفة الغموض وغياب المعلومات وتراكم الأزمات دون مساءلة حقيقية.

 

لغة الخرافة الرسمية

 

وقال حجي إنه ناقش سابقًا مخاطر الجفاف مع نائب وزير، فوجئ برد يطالبه بالتفاؤل والتوقف عن الحديث، بدلًا من مناقشة الأدلة العلمية أو الاستعداد الجاد لسيناريوهات النقص المائي المحتملة في البلاد.

 

وأضاف أن متحدث وزارة البترول رفض إعلان حجم الإنتاج اليومي من النفط، مستخدمًا تعبيرًا يربط حجب الرقم بالخوف من الحسد، وهو ما أثار انتقادات واسعة لطريقة التعامل مع البيانات العامة.

 

وبالتالي، لم تكن سخرية حجي موجهة إلى عبارة عابرة فقط، بل إلى نمط رسمي يستبدل الحقائق القابلة للقياس بتعليقات شعبية، ويعامل المعرفة باعتبارها إزعاجًا يجب احتواؤه لا أداة لاتخاذ القرار.

 

كما أن حجب أرقام الإنتاج يضعف قدرة المجتمع على تقييم أداء قطاع البترول، خصوصًا مع ارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع بعض المؤشرات، ويجعل التصريحات الحكومية منفصلة عن واقع الأسعار والاحتياجات اليومية.

 

ومن ثم، يصبح السؤال عن الإنتاج حقًا عامًا لا فضولًا إعلاميًا، لأن الرقم يرتبط مباشرة بالموازنة والدعم والاستيراد وسعر الوقود، كما يكشف مدى نجاح الاستثمارات المعلنة في وقف التراجع أو تعويضه.

 

غير أن استخدام الحسد لتبرير الصمت يمنح انطباعًا بأن الوزارة لا ترى المواطنين شركاء في المعرفة، بل جمهورًا ينبغي إبعاده عن الأرقام، حتى عندما تتعلق بثروة طبيعية يفترض أنها مملوكة للمجتمع.

 

علاوة على ذلك، فإن السخرية الرسمية من مخاطر الجفاف لا تلغيها، وإنما تؤخر الاستعداد لها، وتفتح الباب أمام قرارات ارتجالية قد تدفع الزراعة والأمن الغذائي ومحدودي الدخل أثمانها الأكبر لاحقًا.

 

وفي المقابل، ختم حجي تعليقه بعبارة ساخرة عن احتمال غضب أصحاب النفوذ من بحثه العلمي حول قضايا المياه في القارة، رابطًا بين تهميش المعرفة وهيمنة الحساسية الرسمية تجاه النقد المستند إلى الأدلة.

 

أرقام خلف الستار

 

ويرى أحمد شوقي، مدير وحدة أبحاث الطاقة، أن تقييم هدف زيادة إنتاج النفط يتطلب بيانات دقيقة ومحدثة عن المعدلات الفعلية وخطط التوسع، لأن الشفافية شرط أساسي للحكم الموضوعي على أداء القطاع.

 

وبناءً على ذلك، فإن رفض إعلان رقم الإنتاج يتناقض مع الحاجة إلى قياس الفجوة بين الخطط والنتائج، ويحول الوعود الحكومية إلى شعارات لا يستطيع الخبراء أو المواطنون اختبار صدقيتها بصورة مستقلة.

 

لذلك، تبدو عبارة الحسد أكثر خطورة من مجرد زلة لسان، لأنها جاءت في سياق سؤال اقتصادي محدد، وكان يفترض أن يقابله رقم رسمي موثق يوضح حقيقة الإنتاج ومسار الزيادة المعلنة.

 

وفوق ذلك، يؤدي غياب البيانات المنتظمة إلى زيادة الشائعات وتضارب التقديرات، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا، بل تملؤه أرقام غير رسمية وتفسيرات متناقضة تقلل الثقة العامة في المؤسسات.

 

فيما تتحمل الأسر آثار هذا الغموض عبر زيادات الوقود والنقل وأسعار السلع، دون أن تعرف بوضوح لماذا تراجعت الإمدادات أو ارتفعت الكلفة أو تأخرت خطط الإنتاج التي تعلنها الحكومة دوريًا.

 

ومن ناحية أخرى، لا يمكن فصل شفافية قطاع البترول عن الرقابة على الإنفاق والاستيراد والديون المستحقة للشركات الأجنبية، لأن كل رقم محجوب يحد من قدرة المجتمع على فهم التكلفة الحقيقية للسياسات المتبعة.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تحويل سؤال مهني إلى مزحة شعبية يهدر فرصة لشرح موقف الوزارة، ويظهر المسؤول كأنه يتهرب من المساءلة، بدلًا من تقديم معلومات واضحة تحترم عقل الجمهور وحقه في المعرفة.

 

وعليه، تعكس الواقعة أزمة أوسع في الخطاب الحكومي، حيث تسبق البيانات الدعائية النتائج الفعلية، بينما تتراجع التفاصيل حين يطلب الصحفيون أرقامًا قابلة للتحقق، فتظل الإنجازات المعلنة محصنة من المراجعة المستقلة.

 

الجفاف ليس نذير شؤم

 

وأكد عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن مصر تعاني ندرة مائية أصلًا قبل تفاقم أزمة سد النهضة، ما يجعل التحذير من الجفاف مسألة علمية تستوجب الاستعداد لا الاستهزاء.

 

وبالمثل، أوضح حجي في حديث سابق أن مصر واجهت جفافًا ممتدًا بين 1978 و1987، وأن السد العالي كان عنصر الحماية الأساسي، وهي خبرة تاريخية تنسف التعامل مع التحذير باعتباره تشاؤمًا لفظيًا.

 

ولهذا، فإن مطالبة الباحث بالصمت أو بالتفاؤل لا توفر مترًا مكعبًا واحدًا من المياه، ولا تحمي محصولًا، ولا تطور شبكات الري، بل تؤجل مواجهة المخاطر حتى تصبح كلفتها أشد على المجتمع.

 

وفي السياق نفسه، ترتبط ندرة المياه بتزايد السكان وتغير المناخ وتدهور الكفاءة الزراعية، وهي عوامل تحتاج إلى معلومات مفتوحة ونقاش علمي مستمر، لا إلى ردود عاطفية تمنع تداول السيناريوهات الصعبة.

 

ثم إن إقصاء العلماء من النقاش العام يضعف جودة القرار، لأن التحذيرات المبكرة تسمح ببناء بدائل أقل كلفة، بينما يؤدي تجاهلها إلى إدارة الطوارئ بعد وقوع الضرر واتساع نطاق المتضررين.

 

كذلك، تمس أزمة المياه الفلاحين وسكان الأطراف أكثر من غيرهم، إذ يواجهون تراجع الإنتاج وارتفاع كلفة الغذاء وضعف الخدمات، بينما يبقى أصحاب القرار بعيدين عن النتائج اليومية المباشرة لخطابهم المطمئن.

 

وعلى هذا الأساس، تحمل سخرية حجي رسالة تتجاوز الشخصين اللذين أشار إليهما، وتضع المؤسسة الرسمية أمام سؤال جوهري عن سبب خوفها من الأرقام والتحذيرات أكثر من خوفها من الأزمات نفسها.

 

إلى جانب ذلك، يكشف الجمع بين النفط والجفاف أن الخلل واحد، سواء تعلق الأمر بطاقة تستنزف العملة أو مياه تهدد الأمن الغذائي، وهو تفضيل الإنكار اللفظي على التخطيط المبني على الأدلة.

 

وأخيرًا، لا يحتاج المصريون إلى مسؤولين يحمون الأرقام من الحسد، بل إلى مؤسسات تحمي الموارد من سوء الإدارة، وتنشر البيانات، وتحاسب المقصرين، وتتعامل مع العلماء باعتبارهم شركاء لا مصدرًا للإزعاج.