إن الدعوة إلى الله والإسلام ليست عبئًا ثقيلاً يُلقى على المسلم أو المسلمة، بل هي امتداد طبيعي للفطرة الإنسانية التي تحب الخير للذات وللآخرين. فالمسلم حين يعرف أن القرب من الله والالتزام بأخلاق الإسلام هما طريق الطمأنينة والاستقامة والسعادة، يسعى بمحبة ورفق إلى تعريف مَن حوله بهذا الخير، كما يحب أن يعيش بينهم في مجتمع تسوده الرحمة والصدق والأمانة والعدل والتعاون.
والدعوة الصادقة لا تقوم على القسوة أو الإكراه، وإنما على النصيحة الودودة، والحكمة، والموعظة الحسنة، واختيار الأسلوب والوقت المناسبين. وهي لا تنفصل عن حياة المسلم اليومية، بل تظهر في أقواله وأفعاله وأخلاقه وتعامله مع أسرته وزملائه ومجتمعه، فيصبح نموذجًا عمليًا للإسلام الذي يدعو إليه.
أبو بكر.. دعوة الحب الصادق
من أوضح الأدلة على فطرية الدعوة إلى الله موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد بدأ يدعو مَن يعرفهم ويثق بهم فور إسلامه، مع أنه لم يكن قد تعلّم بعدُ جميع تفاصيل الدين وأحكامه. لكنه أحب الخير الذي وجده، فأراد أن يشاركه مع مَن حوله.
وجاء في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق: «فلما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان أبو بكر رجلاً مألوفًا لقومه محببًا سهلاً.. فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام مَن وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه.. فأسلم بدعائه، فيما بلغني، عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله».
لقد دفعه حب الله ورسوله، وحبه للناس، إلى أن يدلهم على طريق الخير والسعادة، فتحولت دعوته البسيطة الصادقة إلى سبب في إسلام عدد من كبار الصحابة الذين كان لهم أثر عظيم في نصرة الإسلام.
سحرة فرعون.. من الإيمان إلى الدعوة
تظهر فطرية الدعوة أيضًا في موقف سحرة فرعون، فقد آمنوا بمجرد أن ظهرت لهم آية الله، ثم تحولوا في اللحظة نفسها من اتباع الباطل إلى إعلان الحق والدعوة إليه، ولم يمنعهم تهديد فرعون أو بطشه من الثبات على الإيمان.
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾
[طه: 72–76]
ولما هددهم فرعون بالقتل والتعذيب، أجابوا بثبات ويقين: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 50–51].
وقد وصف القرآن لحظة تحولهم إلى الإيمان فقال: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: 70].
وبيّن الإمام ابن عاشور أن المؤمنين بالرسل حين تشرق عليهم أنوار الرسالة، ينتقلون سريعًا من جهالة الكفر وقسوته إلى حكمة الإيمان وثباته. وهذا يدل على أن الفطرة إذا تحررت من تأثيرات البيئة الفاسدة والضلال، عادت إلى أصلها من معرفة الحق وحبه والدعوة إليه.
الدين النصيحة
الدعوة إلى الله ليست منفصلة عن حقيقة الدين، بل إن النصيحة الصادقة تمثل عمادًا عظيمًا من أعمدته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا: لِمَن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم.
فالنصيحة لله تكون بالإيمان به، وإخلاص العبادة له، وطاعته، واجتناب معصيته، والدعوة إلى ذلك بالحكمة والرحمة. والنصيحة لكتاب الله تكون بتلاوته وفهمه والعمل به وتعليمه، والنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تكون بتصديقه واتباع سنته ونشر دعوته وشريعته.
أما النصيحة للمسلمين فتكون بإرشادهم إلى ما يصلح دنياهم وآخرتهم، والرحمة بهم، وحب الخير لهم، وتنبيههم إلى الخطأ دون فضيحة أو قسوة، وحثهم على الأخلاق الصالحة بالقول الطيب والقدوة الحسنة.
وقد نقل الإمام النووي في شرحه للحديث أن النصيحة تشبه خياطة الثوب وسد خلله، وقيل إنها تشبه تصفية العسل من الشمع، لأن الناصح يحرص على تخليص أخيه من أسباب الضرر والفساد، كما يُخلَّص العسل من الشوائب.
وقال الإمام المناوي: «والناصح في دين الله هو الذي يؤلف بين عباد الله وبين ما فيه سعادتهم».
وقال الإمام العيني عن حديث «الدين النصيحة»: «حديث عظيم جليل حفيل عليه مدار الإسلام».
كما أوضح الإمام السندي أن النصيحة لله تعني أن يكون الإنسان عبدًا خالصًا لله في اعتقاده وعمله، ملتزمًا بنظام الإسلام الذي يحقق له السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة.
الدعوة بالحكمة والقدوة
المسلم الداعية لا يقتصر دوره على إلقاء الكلمات والمواعظ، بل يدعو إلى الله بسلوكه وأخلاقه وإتقانه لعمله ورحمته بالناس. فصدقه دعوة، وأمانته دعوة، وعدله دعوة، وإحسانه إلى أسرته وجيرانه وزملائه دعوة، كما أن التزامه بالرحمة والرفق والصبر يجعل الناس يرون أثر الإسلام في حياته.
والدعوة مسؤولية تكون على قدر طاقة الإنسان وعلمه وظروفه، فلا يكلّف المسلم نفسه ما لا يستطيع، ولا يتحدث فيما لا يعلم، وإنما يدعو إلى الخير الذي يعرفه، مستعينًا بالعلم والتدريب، ومراعيًا اختلاف أحوال الناس وطبائعهم.
ولا تعني النصيحة التدخل الجارح في حياة الآخرين أو تعنيفهم، بل تعني حب الخير لهم، والتلطف في إرشادهم، وانتظار الوقت المناسب، واستخدام أفضل الكلمات وألينها، مع الثبات على الحق وعدم التراجع عنه.
الفطرة تستقبل الحق
كما أن الدعوة إلى الخير فطرية، فإن قبولها والاستجابة لها أمر يوافق الفطرة أيضًا. ففي داخل كل إنسان ميل إلى البحث عن الحق والخير والطمأنينة، حتى إن غطت عليه الشهوات أو العادات الخاطئة أو وساوس الشيطان.
قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
فالخير هو الأصل الذي خلق الله الناس عليه، أما الشر والانحراف فهما طارئان على هذه الفطرة. ولهذا فإن الكلمة الصادقة، والموقف الرحيم، والقدوة الطيبة، قد توقظ في الإنسان ما غاب عنه، وتعيده إلى ربه وإلى الطريق الذي يجد فيه سلام قلبه واستقامة حياته.
الدعوة طريق السعادة
حين يفهم المسلم أن الدعوة فطرة ورحمة ونصيحة، فلن يراها همًّا أو عبئًا، بل سيجد فيها متعة وإسعادًا لنفسه ولغيره. فهو حين يدعو إلى الصدق يساهم في بناء مجتمع آمن، وحين يدعو إلى الرحمة يخفف آلام الناس، وحين يدعو إلى العدل يحمي الحقوق، وحين يدل الناس على الله يفتح أمامهم أبواب الطمأنينة والأمل.
فليطمئن كل مسلم ومسلمة إلى أن الدعوة ليست مقصورة على العلماء والخطباء، وإنما لكل إنسان نصيب منها بقدر علمه واستطاعته. قد تكون الدعوة كلمة طيبة، أو نصيحة صادقة، أو موقفًا كريمًا، أو خلقًا حسنًا، أو عملاً متقنًا، أو مساعدة لمحتاج.
ادعُ إلى الله بحب، وعلم، ورحمة، وحكمة، واجعل حياتك كلها شاهدًا على جمال الإسلام، فالدعوة ليست عبئًا ثقيلًا، وإنما هي طريق إلى المزيد من السعادة والاطمئنان في الدنيا، وإلى سعادة أعظم وأبقى في الآخرة.

