كشفت منصة جوار الحقوقية أن مهندس الميكانيكا ياسر سعيد بركة، البالغ 48 عامًا والمنحدر من مدينة العاشر من رمضان، أمضى 10 سنوات في سجن برج العرب، ويواجه أحكامًا مجموعها 40 عامًا وتدهورًا صحيًا متصاعدًا.
وتعيد قضيته فتح ملف السجون المصرية التي لا تكتفي بسلب الحرية، بل تمد العقوبة إلى الجسد والأعصاب، بينما تتحول الأمراض المزمنة والتنقلات المتكررة إلى أدوات إنهاك تهدد حياة إنسان تحت مسؤولية الدولة الكاملة.
عقد خلف الأسوار
وبحسب المعلومات المنشورة، تنقل بركة خلال العام والنصف الأخير بين عنبر 23 وزنازين التأديب وعنبر الدواعي، قبل وصوله إلى عنبر الإيراد قبل نحو 3 أسابيع، دون تسكين مستقر حتى الآن.
ومن جهة أخرى، نسبت المنصة إلى ضابط قالت إنه يتبع الأمن الوطني ويدعى حمزة مسؤولية رفض تسكين بركة،ومع ذلك، لا يبرر غياب التحقق الرسمي تجاهل الاستغاثة تمامًا، لأن إدارة السجن والنيابة تملكان السجلات والسلطة اللازمة
لفحصها، بينما يبقى المحتجز المريض الطرف الأضعف والعاجز عن تقديم روايته بحرية.
وعلى مدار عقد كامل، عاش بركة تحت أحكام قيل إن مجموعها يبلغ 40 عامًا، وهي مدة تضعه أمام مستقبل مغلق، وتضاعف التأثير النفسي لأي تنقل مفاجئ أو عزلة أو حرمان من الاستقرار.
كذلك تثير كثرة التنقلات أسئلة بشأن دوافعها وأسانيدها التأديبية، وما إذا كانت موثقة بقرارات محددة، أم تحولت إلى ممارسة مفتوحة تستنزف السجين دون رقابة قضائية فعالة أو مسار واضح للتظلم.
وبحسب الحقوقي أحمد مفرح، المدير التنفيذي للجنة العدالة، فإن قصور التشريعات وغياب الردع والإفلات المتكرر من العقاب عوامل ساهمت في تفشي الوفيات داخل مقار الاحتجاز وغياب الإرادة الجادة لتحسين أوضاعها.
وبالتالي، لا يكفي نقل بركة من عنبر إلى آخر ثم تركه معلقًا بلا تسكين، لأن المسؤولية تبدأ بتثبيت مكان آمن ومناسب لحالته، وتسجيل كل إجراء وتمكين أسرته ومحاميه من مراجعته.
مرض تحت وطأة النقل
وطبيًا، يعاني بركة وفق الاستغاثة من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، وهما حالتان تتطلبان متابعة منتظمة ودواء مستمرًا وبيئة تقل فيها الضغوط، لا دوامة انتقالات متعاقبة تزيد الإجهاد البدني والنفسي.
وفي هذا السياق، تؤكد الطبيبة النفسية والحقوقية عايدة سيف الدولة أن الإهمال الطبي داخل السجون جريمة، وأنه لا يوجد مبرر لحرمان مريض من العلاج، بعدما وثقت لسنوات مخاطر التأخير والامتناع.
كما أن الرعاية لا تعني صرف الدواء فقط، بل تشمل الفحص الدوري وقياس الضغط ومتابعة القلب وإتاحة الإحالة إلى مستشفى متخصص عند الضرورة، مع الاحتفاظ بملف طبي يمكن للأسرة والمحامي مراجعته.
غير أن بقاء بركة في عنبر الإيراد 3 أسابيع من دون استقرار، بحسب الرواية المنشورة، يثير مخاوف بشأن انتظام العلاج والنوم والغذاء، ويجعل كل تأخير في الفحص مخاطرة لا يمكن تداركها بسهولة.
ومن ثم، لا تمنح الأحكام مهما بلغت مدتها الإدارة حق إضافة عقوبات غير قضائية، ولا تسقط عن السجين حقه في السلامة الجسدية والنفسية، لأن العقوبة القانونية هي تقييد الحرية وليست استنزاف الصحة.
وعلاوة على ذلك، قد يؤدي الضغط المستمر لدى مرضى القلب وارتفاع الضغط إلى مضاعفات حادة، ولهذا يصبح الكشف الطبي العاجل ضرورة وقائية، وليس امتيازًا يمكن تأجيله حتى وقوع أزمة داخل الزنزانة.
وبناء على ذلك، يفترض عرض بركة العاجل على لجنة طبية مستقلة، وتوثيق تشخيصه وأدويته ومدى ملاءمة مكان احتجازه، ثم إعلان النتيجة لأسرته ومحاميه مع ضمان تنفيذ التوصيات دون تدخل أمني.
مساءلة تحمي الحياة
ومن زاوية حقوقية، يرى المحامي محمود جابر مدير منظمة عدالة لحقوق الإنسان أن الحبس الانفرادي المطول والحرمان من العلاج وسوء التغذية والتكدس ممارسات تتعارض مع قواعد الأمم المتحدة لمعاملة السجناء.
وبدوره، يفرض هذا التقييم مراجعة ما إذا كان إيداع بركة في زنازين التأديب قد تم وفق قرار محدد ولمدة قانونية، أم استخدم العزل وسيلة ضغط إضافية خارج حدود العقوبة القضائية..
لهذا، يجب مطالبة وزارة الداخلية بإعلان رد محدد على الوقائع، يشمل مكان احتجاز بركة الحالي وأسباب نقله ونتائج فحصه الطبي، بدل الاكتفاء بصمت يضاعف مخاوف أسرته ويترك الاتهامات بلا تحقيق.
وعليه، لا ينبغي اختزال القضية في خلاف حول عنبر أو مكان نوم، لأن الاستقرار داخل السجن يرتبط بالسلامة الإنسانية والعلاج والقدرة على التواصل، خصوصًا لشخص أمضى عقدًا ويعاني أمراضًا مزمنة.
وأخيرًا، تبقى حياة ياسر بركة مسؤولية قانونية كاملة في عهدة الدولة، وأي تجاهل لمؤشرات الخطر قد يحول استغاثة قابلة للتحقيق إلى مأساة، بينما يبدأ الإنقاذ بالفحص والتسكين ووقف التنقلات ومحاسبة المتسبب.

