د. عصام تليمة
من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن
توفي الموسيقار المصري هاني شنودة، ورغم قلة من شيعوه، وليس مستغربا، فإن هذا المشهد متكرر في حالات أخرى مبدعة، سواء كانت في عالم الفن، أو عالم الفكر والثقافة، فقد ذكر الشيخ الغزالي رحمه الله أنه كان في طريقه لوزارة الأوقاف، حيث عمله مديرا للمساجد آنذاك، فرأى جنازة يحملها بضع نفر، يعدون على الأصابع، فسال عن المتوفى، فأخبروه أنه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، فحزن حزنا شديدا، إذ كيف يسير في جنازة هذا العالم الذي خدم سنة النبي صلى الله عليه وسلم خدمة جليلة، حت كف بصره، بسبب كثرة مطالعته في كتب السنة.
هاني شنودة شخصية مسيحية مصرية جميلة، من يستذكر مواقف الرجل، يجده نموذجا رائعا للمسيحي المصري، الذي يجمع بين حب الثقافة الإسلامية، ولا يرى في ذلك تعارضا مع مسيحيته، وهو ما لا نجده في مسيحيين آخرين في العقود الأخيرة.
هاني شنودة في حوار له، سألته الإعلامية منى الشاذلي، عن سر كثر مدائحه في النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه يستشهد في كلامه بآيات قرآنية، ونصوص نبوية، بدون تكلف أو تعسف، بل تجري على لسانه تلقائية، وفي موضعها المناسب، وهو ما يدل على أنه متشرب لهذه النصوص كقناعة ومثل يتمسك بها. وعلل سر مدحه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه أوصى بنا نحن الأقباط، وقال: إن لنا فيه نسبًا وصهرًا، فهو يراني نسيبًا له، فكيف لا أمتدحه، ولو أني لي حيوات كثيرة، ما كفتني لمدحه.
هذا النموذج الذي نراه في فنان مسيحي يمتدح نبي الإسلام، ليس غريبا عن ثقافتنا وحياتنا المصرية، في وقت الاعتدال الفكري، فقد رأينا في هذا السياق مفكرين مسيحيين من أصحاب المواقف السوية، سواء من الإسلام، أو من نبيه، فرأينا الدكتور نظمي لوقا، يكتب عدة كتب كانت سباقة في طرحها، سواء من حيث الإنصاف والموضوعية، أو من حيث السبق في الطرح، ففي كتابه: (محمد.. الرسالة والرسول)، قدم ملخصا لرسالة الإسلام، من حيث نظرتها للكون والحياة، والإله، والعبادة.
ثم استل من أحداث السيرة النبوية، دلائل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، من نصوص نحفظها كمسلمين، ونمر عليها، ونضعها في سياق آخر، غير ما وضعه نظمي لوقا، فيستدل بها على أنها نصوص تثبت بحق أن هذه العبارات، وهذه المواقف لا يمكن أن تصدر عن كذاب، أو مدع للنبوة، ولا يمكن إلا أن يكون نبيا صادقا.
ورأينا قبله، السياسي الكبير: مكرم عبيد، والذي اشتهر بتلاوته للقرآن الكريم، واستشهاده بنصوصه، ونصوص نبوية، والتراث العربي، وكان يعلن ما يؤمن به، ومن ذلك قوله: أنا مسلم ثقافة، ومسيحي ديانة. ويجمع بين هذه المعادلة، الإسلام بثقافته ونصوصه التي تصنع من المتحلي بها شخصية ذات شجاعة أدبية وفصاحة، وهو ما كان يلفت نظر كل من يستمع أو يقرأ لمكرم عبيد.
تحدث هاني شنودة عن علاقته بالقرآن الكريم، حين سئل عن أي الشيوخ يحب أن يستمع لتلاوتهم، فأجاب إجابة المتمكن من الدراية بالتلاوة، والدراية بالأصوات، والدراية بأهمية القرآن كنص هداية، فتحدث عن أهمية تحقق شروط التلاوة من المد والغن والقلقلة، وهي مصطلحات تجويدية، يعرفها من له إلمام بأحكامها، وليست مجرد مفردات يطنطن بها من لا يعرف دلالاتها.
وتحدث عن إعجابه بتلاوة وصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله، وأن من يريد أن يستمع للقرآن لتعلم أحكام تلاوته، فليستمع للشيخ الحصري، وأنه يعجب بصوت الشيخ الطبلاوي رحمه الله، وأن هذه الأصوات الندية، كل حسب ما يطمئن إليه، ويؤثر فيه، وأن الأهم من ذلك كله الآيات التي تتلى، وما ترشد إليه.
وحديثه عن القضية الفلسطينية ينم عن اهتمامه بها، وعشقه لها، فكان من أواخر ما صرح به عنها: قلت لزوجتي سأترك لك كل شيء تتصرفين فيه، إلا القضية الفلسطينية فإنها همي الذي أعلقه في رقبتي.
هذا النموذج لفنان متصالح مع ثقافة أمته، من حيث احترامه لدينها، وتقديره لكتابها، ونبيها، يجعلنا نقارن بين آخرين، يحملون أسماء إسلامية، ولكن لسانهم وعقلهم متصهين تماما، يتحرشون بثوابت هذا الدين، وبأصحاب النضال والمقاومة لعدوها.
وهذا النموذج الفني بات قليلا ونادرا في حياتنا الفنية والثقافية، كان هذا النموذج من قبل متوافرا، فكنت ترى فنانا مصريا سواء كان مسلما أو غير مسلم، لكن علاقته بالقرآن الكريم وطيدة، ولا يستغرب ذلك منه، وكان الاستشهاد به يجري على ألسنة الكثيرين، سواء في الخطاب السياسي، أو في الأعمال الفنية، حتى رأينا في زماننا من يخرج يستنكر ورود آيات في امتحان اللغة العربية، محتجا بأن هذا السؤال يتعارض مع المواطنة، وهي حماقة لا مثيل لها، ولم يشكُ من ذلك مسيحي، بل راح هذا الأحمق يطالب بأن يأتي في العام المقبل أسئلة من الكتاب المقدس!!

