طالبت تحركات برلمانية داخل مجلسي النواب والشيوخ في مصر بتعميم حسابات الضمان البنكي على مشروعات التطوير العقاري، وربط صرف أموال المشترين بنسب التنفيذ، بعد جذب السوق 1.4 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية خلال 2025.
وتكشف هذه التحركات حجم فراغ رقابي ترك المواطنين وحدهم أمام شركات تفرض عقودها وشروطها، وتحصل مدخرات الأسر مقدمًا، ثم تتأخر في البناء والتسليم دون ضمانات حقيقية أو محاسبة تتناسب مع الخسائر الإنسانية والمالية.
وبحسب المقترحات المطروحة، تلتزم كل شركة تطوير بفتح حساب مصرفي مستقل لكل مشروع سكني أو سياحي يجري تسويقه قبل اكتمال إنشائه، بحيث تظل حصيلة المبيعات مخصصة للمشروع ذاته ولا تتحول إلى سيولة حرة.
وفي المقابل، يحظر على المطور تحصيل مقدمات الحجز أو الأقساط أو أي مبالغ نقدية خارج الحساب المخصص، بما يغلق أحد المسارات التي سمحت بتوجيه أموال العملاء إلى مشروعات جديدة أو التزامات بعيدة عن وحداتهم.
حسابات تحاصر تدوير الأموال
وبالتالي، تستهدف حسابات الضمان إنهاء ممارسة توسعت داخل السوق، تقوم على استخدام أقساط المشترين الأوائل لتمويل أراض أو مشروعات لاحقة، بينما تتباطأ الأعمال في المشروع الأصلي ويجد الحاجزون أنفسهم أمام مواعيد تسليم متغيرة باستمرار.
كما أن وضع الأموال داخل حساب يخضع لرقابة مصرفية لا يعني فقط حفظ السيولة، بل يتيح تتبع كل عملية إيداع وصرف، ويمنع الشركات من التعامل مع مدخرات المواطنين باعتبارها تمويلًا بلا قيود أو تكلفة.
ولزيادة فاعلية النظام، تقترح التحركات إسناد دور مباشر إلى البنك المركزي في إصدار ضوابط موحدة تلزم البنوك التجارية بعدم الإفراج عن الأموال للمطور إلا بعد التحقق من تقدم الإنشاءات وفق جدول زمني معلن.
لذلك، لن يصبح الإعلان التسويقي أو تعهد الشركة كافيًا لسحب دفعات جديدة، إذ يشترط تقديم تقارير هندسية دورية معتمدة من جهات مستقلة تثبت نسب الإنجاز الفعلية، وتوضح مدى مطابقة التنفيذ للمخططات والمواصفات المتفق عليها.
ومن ثم، يرتبط التدفق المالي للمطور بقدرته على البناء، بدلًا من ارتباطه بحجم حملاته الإعلانية أو قدرته على بيع وحدات لم تبدأ أعمالها، وهو تحول يحد من المضاربات ويعيد التمويل إلى وظيفته الأصلية.
غير أن نجاح هذه الآلية يتوقف على استقلال الجهات الهندسية المكلفة بإعداد التقارير، لأن تحولها إلى مكاتب مرتبطة بالمطورين قد يفرغ النظام من مضمونه، ويمنح الشركات غطاء رسميًا لسحب الأموال دون إنجاز حقيقي.
وعلاوة على ذلك، يتطلب التطبيق نشر نسب الإنجاز وتقارير الصرف أمام المشترين، حتى لا تبقى المعلومات حبيسة المراسلات بين البنك والمطور، بينما يظل صاحب المال عاجزًا عن معرفة مصير أقساطه أو أسباب تعطل مشروعه.
رقابة تتجاوز الأوراق
وبناء على ذلك، حمل نائب بمجلس النواب مقترحًا إلى رئيس الوزراء ووزيرة الإسكان، مؤكدًا أن القطاع العقاري تحول إلى الوعاء الرئيسي لمدخرات ملايين المصريين، رغم غياب جهة ضامنة تسترد الحقوق عند التعثر أو المخالفة.
وفي هذا السياق، سجلت السنوات الأخيرة حالات متكررة من تأخر التسليم وتوقف الإنشاءات واختلاف المساحات والمواصفات، بينما اضطر المشترون إلى خوض نزاعات قضائية طويلة قد تنتهي بعد استنزاف الوقت والأموال دون الحصول على الوحدات.
إلى جانب ذلك، لا تكمن الأزمة في غياب نظام حسابات الضمان من التشريعات المصرية، بل في محدودية نطاق تطبيقه وضعف إلزام الشركات به، بما جعله استثناء محدودًا بدلًا من قاعدة عامة تحكم البيع تحت الإنشاء.
وعليه، يطالب المقترح بتحويل الحساب المصرفي المستقل إلى شرط سابق لطرح المشروع أو الإعلان عنه، مع منع جهات الترخيص من اعتماد أي عملية بيع ما لم يقدم المطور ما يثبت إنشاء الحساب وتحديد قواعد الصرف.
في الوقت نفسه، يحتاج النظام إلى لجنة رقابية تضم ممثلين عن الإسكان والبنك المركزي وحماية المستهلك والجهات الهندسية، تتولى مراجعة المشروعات المتعثرة والتحقق من استخدام الأموال وتلقي شكاوى المشترين قبل تحولها إلى قضايا ممتدة.
وبصورة أوسع، ينبغي ألا تقتصر الرقابة على حركة الحسابات، بل تشمل الأسعار المعلنة وتكاليف التنفيذ ونسب الزيادة، خصوصًا مع استخدام التضخم أحيانًا ذريعة لرفع الأسعار أو تعديل الأقساط رغم ثبات التزامات المطور التعاقدية.
وفوق ذلك، يفترض أن تمتلك اللجنة صلاحية وقف التسويق والتحصيل عند اكتشاف فجوة بين حجم المبيعات ونسبة التنفيذ، لأن استمرار بيع الوحدات داخل مشروع متعثر يضاعف عدد المتضررين ويؤجل لحظة الاعتراف بالأزمة.
ومن ناحية أخرى، يجب إلزام الشركات بالإفصاح عن ملكية الأرض والتراخيص والتمويل والمقاولين ومراحل البناء، بعدما أثبتت وقائع السوق أن بعض المشترين يوقعون عقودًا بملايين الجنيهات دون الاطلاع على المستندات الأساسية للمشروع.
عقود تعيد توازن الحقوق
كذلك، تلقى مجلس الشيوخ مقترحًا لإنشاء منظومة رقابية تتضمن نموذجًا تعاقديًا ملزمًا، ينهي سيطرة الشركات المنفردة على صياغة العقود، ويمنع إدراج شروط تمنح المطور حق التأجيل والتعديل بينما تقيد المشتري بغرامات صارمة.
وبموجب التصور، يحدد العقد بوضوح موعد التسليم والمواصفات والمساحة وآلية احتساب فروق الأسعار، إلى جانب التعويضات المستحقة للمشتري عند التأخير، بدلًا من الاكتفاء بعبارات فضفاضة تسمح بتمديد المواعيد سنوات دون مقابل عادل.
ومن هنا، تصبح معالجة التضخم مسؤولية تعاقدية مشتركة وليست بابًا مفتوحًا لتحميل المستهلك كل الزيادات، خصوصًا أن المطور يحتفظ بأموال الحاجزين لفترات طويلة ويستفيد من ارتفاع قيمة الأصول والوحدات خلال سنوات التنفيذ.
ومع ذلك، لا توفر العقود الموحدة حماية فعلية ما لم تقترن بعقوبات قابلة للتنفيذ، تشمل الغرامات ووقف البيع وسحب الترخيص وإحالة المخالفات الجسيمة إلى جهات التحقيق عند ثبوت تبديد الأموال أو تقديم بيانات مضللة.
وفي المقابل، يمكن للمنظومة حماية المطورين الجادين من المنافسة غير المنضبطة، لأن الشركات التي تجمع الأموال دون ملاءة أو خبرة تقدم أسعارًا ومواعيد غير واقعية، ثم تترك السوق كله يتحمل نتائج تعثرها وفقدان الثقة.
وبالتوازي، تعزز الحسابات المنضبطة ثقة البنوك والمستثمرين الأجانب في القطاع، لكنها لن تكون وسيلة لتلميع السوق ما لم تسبقها مراجعة حقيقية للمشروعات القائمة وكشف حجم التعثر والالتزامات المالية المتراكمة على الشركات.
ولهذا، ينبغي أن يشمل التطبيق المشروعات الجديدة والقائمة التي لا تزال تحصل أقساطًا، مع منح كل شركة مهلة محددة لنقل الأموال المتبقية إلى الحسابات الرقابية وتقديم كشوف تفصيلية بالمبالغ المحصلة وأوجه إنفاقها السابقة.
أخيرًا، تمثل المقترحات اختبارًا لإرادة الدولة في الانحياز إلى المشترين لا إلى نفوذ الشركات، فحماية المدخرات لا تتحقق بالتصريحات، وإنما برقابة مستقلة وعقود عادلة وشفافية تمنع بيع الوعود قبل بناء الوحدات.

