كشفت شكاوى مرضى هيئة التأمين الصحي في كفر الدوار عن معاناة آلاف المترددين يوميا داخل العيادة الشاملة بسبب التكدس ونقص التنظيم واضطراب صرف الأدوية بما يهدد حق المرضى في علاج آمن ومنتظم.
وتضع هذه الشكاوى وزارة الصحة أمام اختبار سياسي وإنساني مباشر لأن ترك أصحاب المعاشات وذوي الهمم في طوابير مهينة يحول الخدمة العامة إلى عبء ويكشف فجوة قاسية بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي.
فوضى تهدر كرامة المرضى
وبحسب إفادات متداولة يتوافد المرضى من إدكو ورشيد ومراكز أخرى إلى مقر واحد لا يستوعب الأعداد المتزايدة فتتحول السلالم والطرقات الضيقة إلى مناطق انتظار مكتظة تفتقر إلى المقاعد والتنظيم والتهوية المناسبة.
كما أن غياب مسارات واضحة لدخول المرضى وخروجهم يزيد الارتباك أمام حجرات الكشف وشبابيك التذاكر ويضاعف معاناة كبار السن الذين يضطرون للوقوف فترات طويلة دون مساعدة كافية أو أولوية إنسانية حقيقية.
لذلك تبدو الأزمة أبعد من مجرد ازدحام عابر لأنها ترتبط بنقص الكوادر وسوء توزيع المهام وضعف الإشراف المباشر وهي عوامل تسمح بتحول الفوضى إلى نمط ثابت يدفع ثمنه المرضى وحدهم.
ومن ثم فإن أول إجراء مطلوب هو إعادة تنظيم حركة المترددين وتخصيص مسارات منفصلة لكبار السن وذوي الهمم وزيادة عدد شبابيك الحجز مع نشر موظفين للإرشاد ومنع التكدس داخل الممرات.
غير أن أي معالجة إدارية ستظل ناقصة ما لم تعلن الهيئة حجم الطاقة الاستيعابية اليومية وعدد الأطباء والصيادلة والعاملين لأن غياب هذه البيانات يمنع تقييم الأداء ويخفي أسباب العجز الحقيقي أمام الجمهور.
وعلاوة على ذلك تفرض خطورة الوضع وجود آلية شكاوى معلنة داخل العيادة تتيح للمريض تسجيل الواقعة والحصول على رقم متابعة بدلا من تركه فريسة للاجتهاد الشخصي أو الخوف من فقدان دوره.
وبناء على ذلك يصبح من الضروري تكليف لجنة مستقلة بمراجعة حركة الدخول والحجز والكشف طوال أيام متعددة لا في زيارة بروتوكولية قصيرة حتى تعكس النتائج الواقع الفعلي وتحدد المسؤوليات بدقة.
شبهات تلاحق صرف الدواء
في المقابل تتحدث شكاوى المرضى عن تجاوزات داخل صيدلية الدور الثالث تشمل التحكم في صرف الأدوية وتوجيه بعض المترددين إلى صيدليات خاصة خارجية بما يثير شبهة تضارب المصالح واستغلال حاجة المرضى.
ووفق هذه الشهادات يواجه بعض المرضى ضغوطا عند الاعتراض على التحويل إلى الخارج تصل إلى التهديد بحجز الروشتة أو إتلافها وهي ادعاءات خطيرة لا يجوز تجاهلها وتستوجب تحقيقا موثقا وسريعا.
كذلك تشير الشكاوى إلى أن عدد الصيادلة الموجودين لا يتناسب مع حجم المترددين وهو ما يؤدي إلى بطء الصرف وفتح الباب أمام الوساطة والمحسوبية وخلق نفوذ غير رسمي داخل نقطة يفترض خضوعها للرقابة.
وفضلا عن ذلك ترددت إفادات عن صرف كميات أقل من المدونة في الروشتات مثل تسليم 30 قرصا بدلا من 60 لبعض علاجات الضغط والدهون دون تفسير مكتوب أو موعد واضح لاستكمال الجرعة.
لهذا يجب مطابقة سجلات الصرف الإلكترونية والورقية مع المخزون الفعلي ومراجعة توقيعات المستلمين وكميات الأدوية المنصرفة يوميا لأن أي فارق غير مبرر قد يكشف خللا إداريا أو تسريبا متعمدا للدواء.
وفي السياق نفسه أثارت شكاوى أخرى مخاوف بشأن ظهور أدوية يقال إنها تابعة للتأمين الصحي داخل صيدليات خارجية في صورة شرائط منفصلة دون عبوات أصلية وهو أمر يتطلب فحصا رقابيا عاجلا.
ومع ذلك لا يمكن الجزم بمسؤولية أشخاص بعينهم قبل التحقيق لكن تكرار النمط المبلغ عنه يجعل الصمت الرسمي غير مقبول ويمنح الشبهات مساحة أوسع ويقوض ثقة المرضى في سلامة منظومة الدواء.
وبالتالي يتعين على جهات التفتيش جرد مخازن العيادة ومراجعة مسار كل صنف منذ الاستلام حتى التسليم للمريض مع مقارنة الأرصدة بالفواتير والروشتات وضبط أي تعاملات لا تحمل مستندا رسميا معتمدا.
رقابة غائبة ومحاسبة مؤجلة
أما الصيدليات الخارجية المتعاقدة فتواجه بدورها اتهامات بصرف بدائل أقل سعرا من الأصناف المكتوبة دون شرح كاف للمريض أو الرجوع للطبيب وهو ما قد يغير الخطة العلاجية ويحقق أرباحا غير مشروعة.
وبالتوازي ينبغي مراجعة عقود هذه الصيدليات وشروط الاستبدال وحدود هامش الربح وآليات الرقابة عليها لأن التعاقد العام لا يمنح أي منشأة حق تعديل وصفة الطبيب أو تحميل المريض كلفة إضافية.
ومن ناحية أخرى يحتاج المرضى إلى إيصال واضح يذكر اسم الدواء والكمية والسعر وسبب الاستبدال إن حدث حتى يمكن تتبع المخالفة وإثباتها بدلا من بقاء الشكاوى شفوية يسهل إنكارها لاحقا.
وإزاء ذلك لا يكفي إرسال لجان تفتيش معلنة مسبقا لأن المخالفات المحتملة قد تختفي مؤقتا بل يجب تنفيذ زيارات مفاجئة ومقابلة المرضى عشوائيا وفحص الروشتات المصروفة خارجيا ومطابقتها مع السجلات.
ثم إن غياب نتائج معلنة للتفتيش يضعف الردع ويجعل المساءلة مجرد إجراء داخلي مغلق لذلك يجب نشر ملخص رسمي يوضح عدد الشكاوى التي ثبتت وطبيعة المخالفات والعقوبات والإجراءات التصحيحية المتخذة.
وفي ضوء ذلك تتحمل الإدارة المحلية والهيئة المركزية مسؤولية مشتركة فلا يجوز تحميل الموظفين الصغار وحدهم نتائج نقص الكوادر أو خلل التعاقدات بينما تبقى القرارات الإدارية والمالية الكبرى خارج المحاسبة.
وعلى هذا الأساس يجب تشكيل لجنة تقصي حقائق تضم التفتيش الصيدلي والرقابة الإدارية وممثلين مستقلين عن المرضى لمراجعة الشكاوى وسجلات الدواء والتعاقدات وتحديد المسؤوليات دون حماية أو انتقائية أو تأخير.
ومع اتساع دائرة المتضررين يصبح توفير الأدوية كاملة وفي مواعيدها حقا لا منحة كما أن احترام كبار السن وذوي الهمم داخل العيادة معيار أساسي لشرعية أي حديث رسمي عن تطوير التأمين الصحي.
وأخيرا يتطلب إنقاذ العيادة زيادة الكوادر وإعادة تنظيم المكان وضبط الصرف ومراجعة الصيدليات المتعاقدة وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام لأن استمرار الغموض يمنح المخالفات فرصة للتكرار ويعمق فقدان الثقة العامة.
وخلاصة المشهد أن المرضى لا يحتاجون إلى وعود جديدة بل إلى رقابة يومية ودواء كامل ومسار خدمة يحفظ الكرامة ومحاسبة علنية لكل من يثبت تورطه في استغلال حاجتهم أو تعطيل حقوقهم.

