أعلنت محكمة جنح شبرا الخيمة الدائرة السابعة برئاسة المستشار عامر عبد الله حبس 6 متهمات لمدد تراوحت بين 3 و6 أشهر وبراءة مالكة المدرسة وإحدى المدرسات في قضية وفاة الطفلة تيا أحمد فؤاد التي سقطت من الطابق السادس داخل مدرسة خاصة بشبرا الخيمة وفارقت الحياة متأثرة بإصابتها.
وتكشف الأحكام المحدودة مقارنة بحجم الواقعة عجز منظومة الرقابة الحكومية عن حماية طفلة دخلت مؤسسة تعليمية يفترض أنها خاضعة لإشراف وزارة التربية والتعليم ثم خرجت منها جثمانا بينما لم تقدم الوزارة للرأي العام كشفا شاملا بنتائج التفتيش السابق على المدرسة أو المسؤولين الذين سمحوا باستمرار نشاطها بالمخالفات التي أثبتتها التحقيقات.
أحكام متفاوتة ومسار محاكمة سريع
وبدأت القضية عقب تلقي الأجهزة الأمنية بلاغا بسقوط تيا من الطابق السادس داخل المدرسة الخاصة حيث انتقلت قوات الشرطة وجهات التحقيق إلى المكان وبدأت النيابة جمع تسجيلات المراقبة وسماع أقوال العاملات ومسؤولي الإدارة وأسرة الطفلة لتحديد كيفية وصول طفلة في هذه السن إلى منطقة مرتفعة من دون إشراف يمنع الخطر.
ثم كشفت التحقيقات أن النيابة نسبت إلى مسؤولة المدرسة ونجلتها بصفتها الممثلة القانونية تهمة تعريض حياة الأطفال للخطر بسبب إدارة نشاط تعليمي من دون استيفاء التراخيص القانونية اللازمة واستقبال أطفال مرحلتي الروضة الأولى والثانية في يوم لم يكن مقررا أو مصرحا بوجودهم فيه داخل المدرسة.
وبحسب قرار الإحالة الذي أصدره المستشار محمد الجندي المحامي العام لنيابات جنوب بنها واجهت معلمات ومشرفات اتهامات بالقتل الخطأ والإهمال بعد أن نسبت النيابة إليهن عدم توفير الإشراف الكافي وعدم تأمين حركة الأطفال داخل المبنى بما أتاح وصول تيا إلى الطابق السادس وانتهى بسقوطها ووفاتها.
وفي أولى جلسات المحاكمة قررت المحكمة تأجيل نظر القضية حتى تستعد هيئتا الدفاع عن المتهمات وأسرة الطفلة لتقديم المرافعات والدفوع القانونية مع استمرار حبس المتهمات حتى الجلسة التالية بينما حضرت المتهمات وسط إجراءات أمنية مشددة قبل أن تصدر المحكمة حكمها بالحبس بحق 6 متهمات وبراءة اثنتين.
وقانونيا يضع المحامي عبد العزيز عز الدين في حديث تلفزيوني منشور عن مسؤولية المدارس واجب الرعاية والإشراف في قلب المساءلة عندما تقع إصابة لطالب داخل المؤسسة التعليمية وتخدم هذه الرؤية محور القضية لأن المسؤولية لا تقف عند الموظفة الموجودة لحظة الحادث بل تمتد إلى الإدارة التي تنظم العمل وتحدد ضوابط التأمين.
سقوط من الطابق السادس وأسئلة السلامة الغائبة
وميدانيًا أظهر مسار الواقعة أن طفلة صغيرة تمكنت من الانتقال داخل مبنى مدرسي متعدد الطوابق حتى وصلت إلى موضع سمح بسقوطها وهي نتيجة لا يمكن فصلها عن توزيع المشرفات وإغلاق المناطق الخطرة وتأمين النوافذ والشرفات والسلالم ومنع أطفال الروضة من التحرك بعيدا عن القاعات المخصصة لهم.
كذلك كشف التقرير الطبي إصابة تيا بنزيف كامل في المخ وكسور متعددة بعظام الجمجمة إلى جانب توقف عضلة القلب عند وصولها إلى المستشفى حيث أجرى الفريق الطبي إنعاشا قلبيا رئويا واستعاد النبض مؤقتا قبل أن تؤكد الفحوص وجود إصابات ونزيف داخلي ارتبطا بالسقوط من ارتفاع كبير.
ومن جانبه يشرح الدكتور يوسف بدير المتخصص في السلامة والصحة المهنية ضمن مواده التدريبية أن الوقاية تبدأ بتحديد مصادر الخطر وتقييم احتمالات وقوع الحوادث ووضع إجراءات تمنع الوصول إليها وتكتسب هذه القاعدة أهمية مباشرة في مدرسة تستقبل أطفال الروضة داخل مبنى مرتفع يفترض أن تخضع مساراته ونوافذه وحواجزه لفحص دوري موثق.
وبالتوازي تؤكد قواعد قضائية سابقة أصدرتها محكمة النقض أن رعاية التلاميذ صغار السن طوال اليوم الدراسي تدخل في صميم عمل مدير المدرسة والعاملين فيها وأن واجبهم يشمل ضمان سلامة الأطفال ودرء الخطر عنهم وهو مبدأ يجعل الإشراف التزاما قانونيا محددا وليس إجراء اختياريا تتركه الإدارة لتقدير كل عاملة.
وبعد وقوع الحادث ركزت الإجراءات الرسمية على التحقيق الجنائي مع العاملات ومسؤولي المدرسة لكن الوقائع المنشورة لم تكشف عن مراجعة حكومية علنية لجميع تراخيص المبنى أو محاضر التفتيش السابقة أو أسماء الموظفين المكلفين بمتابعة المدرسة وهو نقص يحصر المحاسبة في المستوى التنفيذي ويترك مسؤولية الرقابة الإدارية بعيدا عن المساءلة العامة.
رقابة رسمية متأخرة وعدالة تنتظر الاستكمال
ورقابيا يضع استقبال أطفال في يوم غير مقرر وتشغيل نشاط تعليمي قبل استيفاء المتطلبات القانونية وزارة التربية والتعليم ومديرية التعليم بالقليوبية أمام أسئلة مباشرة بشأن آليات الترخيص والتفتيش وكيف استطاعت إدارة المدرسة تنظيم يوم للأطفال وتحصيل رسوم واستقبال أسر من دون أن تمنعها الجهة المختصة قبل وقوع وفاة داخل المبنى.
وبدوره انتقد الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث في مواقف منشورة ضعف رقابة وزارة التربية والتعليم على المدارس الخاصة وربط توسع التعليم الخاص باختلالات هيكلية في المنظومة ويخدم رأيه تفسير السياق الإداري للقضية لأن الرقابة التي تتحرك بعد وفاة طفلة لا تؤدي وظيفة الوقاية التي تسبق استقبال التلاميذ.
وإنسانيا تحمل أسرة تيا عبء فقدان طفلتها وعبء متابعة التحقيقات والجلسات بينما تواصل هيئة الدفاع عنها دراسة الحكم وطرق الطعن المتاحة ولا تستطيع مدة حبس لا تتجاوز 6 أشهر أن تجيب وحدها عن سؤال الأسرة المتعلق بكيفية دخول ابنتها المدرسة تحت رعاية بالغين ثم وصولها منفردة إلى الطابق السادس.
وأخيرا لا تنتهي مسؤولية الحكومة عند صدور حكم جنح ضد عدد من العاملات لأن وزارة التعليم تملك سلطة الترخيص والتفتيش والإغلاق وتحديد اشتراطات المباني ونسب الإشراف وكان واجبها أن تمنع تشغيل نشاط مخالف وأن تتحقق من تأمين الأماكن المرتفعة قبل أن تدفع طفلة حياتها ثمنا لتقصير متعدد المستويات.
وتبقى قضية وفاة الطفلة تيا اختبارا لقدرة الدولة على نقل المحاسبة من معلمات ومشرفات إلى كل مسؤول إداري ورقابي سمح باستمرار النشاط من دون متطلبات مكتملة فالعدالة الفعلية تحتاج كشف نتائج التفتيش ومحاسبة أصحاب الاختصاص وإعلان إجراءات تمنع تكرار الواقعة بدلا من إغلاق الملف بأحكام قصيرة وبيانات رسمية مقتضبة.

