رحبت وزارة الخارجية المصرية اليوم الأحد 19 يوليو بموافقة مجلس الوزراء البلجيكي على مشروع مرسوم يحظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، واعتبرت الخطوة تطبيقًا عمليًا لقرار مجلس الأمن رقم 2334 ودعمًا مباشرًا للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.

 

ويأتي الترحيب المصري بينما لم تعلن حكومة السيسي إجراءً تجاريًا مماثلًا ضد منتجات المستوطنات أو الشركات المرتبطة بالاحتلال، رغم مطالبتها دول الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي بتبني الحظر، ما يعكس فجوة واضحة بين لغة بيانات الخارجية والسياسات الاقتصادية التي تستطيع القاهرة استخدامها لوقف تمويل الاستيطان بصورة عملية.

 

مرسوم بلجيكي ينقل إدانة الاستيطان من البيانات إلى السوق

 

وبدأ القرار البلجيكي بموافقة مجلس الوزراء، خلال اجتماعه المنعقد في بروكسل يوم 18 يوليو 2026، على مشروع مرسوم ملكي يضع قواعد خاصة لاستيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، تنفيذًا لاتفاق حكومي سابق أقرته الحكومة الاتحادية في 12 سبتمبر 2025.

 

وتشمل الخطوة تعديل المرسوم الملكي الصادر في 30 ديسمبر 1993، والمنظم لعمليات استيراد السلع وتصديرها وعبورها والتقنيات المرتبطة بها، بما يسمح للسلطات البلجيكية بمنع دخول منتجات المستوطنات الواقعة في الضفة الغربية، ومنها القدس الشرقية، بدل الاكتفاء بتمييز منشئها أو حرمانها من المعاملة الجمركية التفضيلية.

 

وعلى المستوى الإجرائي، أوضح الإعلان الرسمي البلجيكي أن مجلس الوزراء وافق على مشروع مرسوم ملكي، وهو ما يعني أن القرار دخل مسار الاعتماد القانوني ولم يصبح حظرًا نافذًا بمجرد الاجتماع، بينما قدمت الخارجية المصرية الخطوة باعتبارها قرارًا مكتملًا من دون توضيح المراحل التنظيمية المتبقية قبل التطبيق الفعلي.

 

وفي السياق القانوني، يرى أستاذ القانون الدولي بجامعة بروكسل الحرة فرانسوا دوبيسون أن الدول ملزمة بعدم تقديم المساعدة المباشرة أو غير المباشرة للمشروع الاستيطاني، وأن السماح بتداول منتجات المستوطنات داخل الأسواق الأوروبية يساهم في استمرار نشاط أقيم فوق أرض محتلة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي.

 

وبناء على ذلك، تخدم رؤية دوبيسون المحور القانوني للقرار البلجيكي، لأن الحظر لا يمثل عقوبة رمزية على منشأ جغرافي مختلف، بل يمنع نشاطًا تجاريًا يوفر دخلًا للمستوطنات ويمنحها حضورًا طبيعيًا داخل الأسواق، رغم عدم اعتراف بلجيكا أو الاتحاد الأوروبي بسيادة إسرائيل على الأراضي المحتلة منذ عام 1967.

 

قرار 2334 يحاصر شرعنة الاحتلال اقتصاديًا وقانونيًا

 

في المقابل، استند بيان الخارجية المصرية إلى قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي اعتمده المجلس في 23 ديسمبر 2016 بأغلبية 14 عضوًا وامتناع الولايات المتحدة، ونص على أن المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بأي شرعية قانونية.

 

وفوق ذلك، طالب القرار إسرائيل بالوقف الفوري والكامل لجميع الأنشطة الاستيطانية، واعتبر استمرارها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وعقبة أمام حل الدولتين، كما دعا الدول إلى التمييز في تعاملاتها بين أراضي دولة إسرائيل والأراضي التي احتلتها منذ عام 1967، وهو المبدأ الذي يستند إليه الحظر البلجيكي.

 

وبالتوازي، عززت محكمة العدل الدولية هذا المسار في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024، عندما قررت أن على الدول عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن استمرار الاحتلال، ومنع العلاقات التجارية والاستثمارية التي تساعد على إبقائه، وهو التزام يتجاوز بيانات الإدانة الدبلوماسية إلى إجراءات اقتصادية محددة.

 

ومن زاوية المسؤولية الدولية، أكدت المقررة الأممية الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي أن الدول مطالبة بعدم الدخول في معاملات اقتصادية أو تجارية تدعم الوضع غير القانوني في الأراضي المحتلة، وباتخاذ خطوات تمنع التجارة والاستثمار اللذين يساهمان في استمرار السيطرة الإسرائيلية وحرمان الفلسطينيين من مواردهم.

 

ولهذا، يمنح موقف ألبانيزي القرار البلجيكي وظيفة تتجاوز الضغط السياسي المؤقت، إذ يربط حركة السلع بمسؤولية الدولة المستوردة عن عدم دعم الاحتلال، ويكشف في الوقت نفسه قصور الحكومات التي تعترف بعدم شرعية المستوطنات ثم تسمح لمنتجاتها وشركاتها بالعمل داخل الأسواق بلا قيود مؤثرة.

 

القاهرة تطالب أوروبا بخطوات تغيب عن سياستها التجارية

 

أما الخارجية المصرية، فقد جددت دعمها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ودعت دول الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي إلى اعتماد إجراءات مماثلة تمنع استيراد منتجات المستوطنات وتدعم فرص السلام والاستقرار في المنطقة.

 

لكن الحكومة المصرية لم تربط دعوتها بإعلان حظر وطني مماثل، ولم تكشف عن مراجعة للواردات أو التعاملات التجارية التي قد تصل إلى السوق المصرية عبر شركات إسرائيلية أو وسطاء دوليين، كما لم تعلن آلية رسمية للتحقق من منشأ السلع المرتبطة بالمستوطنات المقامة فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

اقتصاديًا، توضح أستاذة الاقتصاد في جامعة بيرزيت سامية البطمة أن الاستيطان ألحق أضرارًا عميقة بالاقتصاد الفلسطيني من خلال السيطرة على الأراضي الخصبة والمياه والموارد الطبيعية، كما دفعت القيود الإسرائيلية قطاعات فلسطينية إلى فقدان قدراتها الإنتاجية وزادت اعتماد العمال والاقتصاد المحلي على منظومة الاحتلال.

 

كذلك، تؤكد البطمة أن الاكتفاء بوضع بطاقات تعريف على منتجات المستوطنات لا يفي بالالتزامات القانونية ولا يعالج الاستغلال الاقتصادي، لأن بعض السلع تستطيع تجاوز إجراءات التمييز، بينما يساهم استمرار بيعها في تمويل المنشآت المقامة على الأرض المصادرة وإضعاف قدرة المنتجات الفلسطينية على المنافسة داخل الأسواق الدولية.

 

ومن ثم، يحمل حظر منتجات المستوطنات أثرًا توثيقيًا واقتصاديًا واضحًا، لأنه يفصل بين الاقتصاد الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال واقتصاد المستوطنات المستفيد من الأرض والمياه والحماية العسكرية، كما يمنع إسرائيل من تقديم النشاط الاستيطاني باعتباره جزءًا عاديًا من تجارتها السيادية داخل الحدود المعترف بها دوليًا.

 

وأخيرًا، يكشف القرار البلجيكي أن تطبيق قرار 2334 لا يحتاج بيانًا جديدًا بقدر ما يحتاج قرارات جمركية ورقابية قابلة للقياس، بينما يظل ترحيب حكومة السيسي ناقصًا ما دامت تطالب العواصم الأوروبية بمنع تمويل الاستيطان ولا تعلن داخل مصر الحظر نفسه أو تكشف مسارات التجارة المرتبطة بالاحتلال.