كشفت سجلات رسمية للجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك تسجيل 867 واقعة عنف واعتداء قومي نفذها مستوطنون في الضفة الغربية خلال عام 2025 مقابل 682 واقعة خلال عام 2024 بزيادة بلغت 27%، لتؤكد البيانات الصادرة عن مؤسسات الاحتلال اتساع الجرائم الموجهة ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم.

 

ويربط هذا الارتفاع بين توسع البؤر الاستيطانية غير القانونية وبين سياسة حكومة بنيامين نتنياهو التي منحت قادة المستوطنين نفوذا مباشرا داخل أجهزة الحكم والأمن، بينما تركت القرى الفلسطينية أمام اعتداءات منظمة تستهدف السكان والمنازل والمزارع ووسائل المعيشة بهدف تقليص الوجود الفلسطيني وفرض السيطرة على الأرض.

 

أرقام تفضح العنف المنظم

 

وبحسب التسلسل الذي أعلنه الجيش الإسرائيلي، سجل عام 2019 نحو 339 واقعة، ثم ارتفع العدد إلى 353 واقعة خلال عام 2020 وإلى 446 خلال عام 2021، قبل أن يقفز إلى 922 واقعة في عام 2022 ويبلغ 1045 واقعة خلال عام 2023.

 

وعقب هذا الصعود، انخفض العدد إلى 682 واقعة خلال عام 2024، لكنه عاد إلى الارتفاع مسجلا 867 واقعة في عام 2025، وهو ما يؤكد أن التراجع المؤقت لم يمثل تحولا في سياسة الاحتلال، بل سبق موجة جديدة اتسعت فيها الاعتداءات الجماعية وأعمال التخريب الموجهة ضد الفلسطينيين.

 

أما الجرائم المصنفة شديدة الخطورة، والتي تشمل الحرق العمد والطعن وإطلاق النار والهجمات الجماعية، فقد بلغت نحو 120 واقعة وفق عرض لمعهد دراسات الأمن القومي، بينما أوردت بيانات إسرائيلية أخرى 128 واقعة، مقابل 83 واقعة في عام 2024 و54 واقعة فقط خلال عام 2023.

 

وفضلا عن تصاعد الخطورة، حدد جهاز الشاباك نواة تضم 70 مستوطنا بوصفهم الأكثر تورطا، فيما أشار الجيش إلى مشاركة نحو 250 شخصا آخرين بدرجات مختلفة، ليصل نطاق المجموعة النشطة إلى قرابة 320 فردا، غالبيتهم من المراهقين والشبان وبعضهم لا يتجاوز عمره 12 عاما.

 

ومن حيث التوزيع الزمني، سجل يناير 116 واقعة، وسجل كل من مايو ويونيو قرابة 90 واقعة، ثم شهد أكتوبر 100 واقعة ونوفمبر 87 واقعة، بما يكشف استمرار الاعتداءات على مدار العام وتصاعدها خلال مواسم العمل الزراعي وجني الزيتون التي تتطلب وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.

 

وفي هذا السياق، قالت زيف شتال مديرة منظمة يش دين الحقوقية الإسرائيلية إن التصعيد لم يظهر في عدد الوقائع وحده، بل ظهر أيضا في شدة الاعتداءات واتساع أعداد المشاركين فيها، وهو توصيف يطابق انتقال عنف المستوطنين من هجمات فردية متفرقة إلى اقتحامات جماعية منظمة للقرى.

 

وبناء على ذلك، تفقد مزاعم الوزراء وأعضاء الكنيست عن وجود مجموعة هامشية معزولة أي سند واقعي، لأن أجهزة الاحتلال نفسها رصدت مئات المشاركين وحددت شهورا ومناطق وأنماطا ثابتة للاعتداء، كما سجلت استخدام الأسلحة والنيران والحجارة وتخريب المركبات والمنازل والمحاصيل ضمن عمليات متكررة ذات أهداف سياسية واضحة.

 

المزارع بوابات للاستيلاء

 

وفي موازاة الجرائم المباشرة، ربطت تقارير إسرائيلية بين العنف وبين انتشار المزارع الرعوية والبؤر غير المرخصة فوق الأراضي الفلسطينية، إذ تحولت هذه المواقع إلى قواعد ينطلق منها مستوطنون مسلحون لمهاجمة الرعاة والمزارعين وقطع الطرق المؤدية إلى المراعي والآبار والحقول، ثم فرض واقع استيطاني جديد بالقوة.

 

وخلال عام 2025، وثقت حركة السلام الآن إقامة 86 بؤرة استيطانية جديدة، بينها 58 مزرعة زراعية ورعوية، بمعدل تجاوز بؤرة واحدة أسبوعيا، كما ربطت الحركة هذه المزارع بالتهجير الكامل لسكان 15 تجمعا فلسطينيا والتهجير الجزئي لسكان 7 تجمعات أخرى في الضفة الغربية.

 

وبالتزامن مع ذلك، أقرت حكومة الاحتلال إنشاء 54 مستوطنة رسمية خلال العام نفسه، شملت تسوية أوضاع بؤر قائمة والاعتراف بتجمعات استيطانية بوصفها مستوطنات مستقلة، بينما هدمت سلطات الاحتلال 1269 منشأة فلسطينية في المنطقة المصنفة ج بدعوى غياب التراخيص التي تمنع الفلسطينيين عمليا من الحصول عليها.

 

وفي تفسير وظيفة هذه البؤر، قال الباحث والناشط الإسرائيلي درور إتكيس إن المستوطنات المقامة فوق التلال تعمل على تفتيت الضفة الغربية وتقليص قدرة الفلسطينيين على البقاء في تلك المناطق، وهو ما يضع الاعتداءات اليومية داخل مشروع جغرافي يقطع التواصل بين القرى ويدفع السكان بعيدا عن أراضيهم.

 

ومن ثم، لا تعمل المزارع الاستيطانية بوصفها مشروعات زراعية عادية، لأن الحكومة الإسرائيلية تمدها بالطرق والمياه والكهرباء والحماية والتسليح، ثم تمنح بعضها وضعا قانونيا بأثر رجعي، بينما يستخدم المستوطنون قطعان الماشية للسيطرة على مساحات واسعة ومنع أصحاب الأرض الفلسطينيين من دخول المراعي والحقول المحيطة بقراهم.

 

كذلك خصصت وزارة الاستيطان والمهام القومية أكثر من 100 مليون شيكل لدعم المزارع وتوفير تجهيزات أمنية لها بالتنسيق مع قيادة المنطقة الوسطى في الجيش، وهو تمويل رسمي يحول الجماعات الموجودة داخل البؤر إلى قوة مدعومة من الدولة ويمنحها القدرة على توسيع نطاق السيطرة والاعتداء.

 

وفوق هذا الدعم، منحت حكومة نتنياهو الوزير بتسلئيل سموتريتش صلاحيات واسعة داخل وزارة الدفاع لإدارة ملفات الاستيطان وتسوية البؤر، بينما تولى إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي المشرفة على الشرطة، وبذلك أصبح داعمو الاستيطان مسؤولين مباشرة عن المؤسسات المكلفة نظريا بمنع جرائم المستوطنين والتحقيق فيها.

 

حماية رسمية وإفلات دائم

 

وفي جانب إنفاذ القانون، أظهرت متابعة منظمة يش دين منذ عام 2005 أن 93.6% من ملفات التحقيق في الجرائم القومية التي ارتكبها إسرائيليون ضد الفلسطينيين أغلقت دون لوائح اتهام، كما فشلت الشرطة في معالجة 82% من الملفات ولم تنته سوى 3% من القضايا بإدانات كاملة أو جزئية.

 

وتؤكد هذه النتائج أن المشكلة لا تتعلق بنقص الأدلة وحده، إذ وثقت المنظمة قرابة 30 واقعة عنف جماعي منظم بين عام 2023 ونوفمبر 2025، وسجلت وجود جنود أو أفراد شرطة خلال 16 واقعة منها، حيث قدم بعضهم مساعدة مباشرة أو غير مباشرة للمعتدين بدلا من حماية السكان الفلسطينيين.

 

وعن دور الجيش، قال أوري غيفاتي مدير المناصرة في منظمة كسر الصمت والجندي الإسرائيلي السابق إن الجنود لا يتلقون أوامر باعتقال المستوطن الذي يهاجم فلسطينيا، بينما يتلقون أوامر بحماية التجمعات اليهودية، ولذلك يجد الفلسطينيون أنفسهم بلا حماية عندما ينفذ المستوطنون هجمات تستهدف طردهم من مجتمعاتهم الريفية.

 

وفي الوقت نفسه، ألغى وزير الدفاع يسرائيل كاتس خلال نوفمبر 2024 استخدام الاعتقال الإداري ضد المستوطنين وأفرج عن عدد من أخطر المتهمين، بينما واصلت سلطات الاحتلال إخضاع آلاف الفلسطينيين للاعتقال الإداري، وهو تمييز يوفر للمستوطن المسلح حماية سياسية ويحول الإجراء الأمني إلى أداة موجهة ضد الفلسطيني وحده.

 

ورغم إصدار قائد المنطقة الوسطى آفي بلوت عشرات أوامر الإبعاد ضد أفراد من النواة الأكثر تطرفا، كشفت الوقائع محدودية تنفيذها وقدرة المتهمين على تجاوز القيود، كما فشلت الأساور الإلكترونية في منع أحد الخاضعين للإقامة الجبرية من السفر، بسبب ضعف المتابعة وتراجع استعداد الشرطة لملاحقة العناصر المتطرفة.

 

ولهذا حذر رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير وقائد المنطقة الوسطى آفي بلوت من خطورة الاعتداءات، بعدما هاجم مستوطنون قرى فلسطينية وأحرقوا ممتلكات واشتبكوا مع الجنود، غير أن التحذيرات العسكرية لم تنتج سياسة حكومية توقف التمويل والتسليح وتسوية البؤر التي توفر للمعتدين نقاط انطلاق وحماية دائمة.

 

وبالمثل، اعتبر معهد دراسات الأمن القومي أن تجاهل ما وصفه بالإرهاب اليهودي يهدد بإشعال مواجهات واسعة في الضفة الغربية، وأكد أن 63% من الاعتداءات الموثقة خلال العقد الماضي وقعت قرب بؤر غير قانونية، بما يثبت الارتباط بين موقع الاستيطان ووتيرة الاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم.

 

واخيرا، تكشف سجلات الاحتلال أن عنف المستوطنين ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل منظومة تجمع التمويل الحكومي والبؤر غير القانونية والتسليح والحماية العسكرية وتعطيل التحقيقات، بينما يدفع الفلسطينيون ثمنها قتلا وإصابة وتهجيرا وفقدانا للأرض، وتواصل حكومة نتنياهو استخدام هذه المنظومة لفرض الضم دون إعلان رسمي.