بدأت الجهات المنفذة لمخطط تطوير القاهرة التاريخية إزالة عدد من مباني مساكن الأوقاف المجاورة لجامعي السلطان حسن والرفاعي بمنطقة القلعة منذ أواخر يونيو، وسط تعويض مقدر بنحو 650 ألف جنيه وقلق الأسر من التشرد وتعطل المرافق.

 

وفي ظل غياب الضمانات، يتحول تطوير القاهرة التاريخية من مشروع معلن لحماية التراث إلى عملية اقتلاع اجتماعي تدفع الأسر ثمنها، بينما تسبق معدات الهدم خطط التعويض والإسكان، ويظل المواطن الطرف الأضعف أمام قرارات السلطة المنفذة.

 

إزالة تسبق الضمانات

 

وبداية من الأسبوع الأخير في يونيو، دخلت معدات الهدم إلى المنطقة وشرعت في إزالة عدد من المباني السكنية، بينما بقيت أسر أخرى داخل مساكنها تنتظر معلومات واضحة بشأن مواعيد الإخلاء وقيمة التعويضات والبدائل المتاحة.

 

ومع تسارع الأعمال، تصاعد القلق بين السكان بسبب الغموض المحيط بمصير العقارات المتبقية، خصوصا أن بدء الإزالة ميدانيا لم يسبقه إعلان تفصيلي يشرح مراحل المشروع أو يحدد حقوق كل أسرة متضررة.

 

كما أن الأهالي لا يرفضون تطوير المنطقة أو حماية المباني التاريخية، لكنهم يطالبون بأن يجري ذلك دون إهدار حقهم في السكن، وبما يضمن انتقالهم إلى مساكن ملائمة تحافظ على استقرارهم الأسري والاجتماعي.

 

وفي المقابل، وضعت سرعة تنفيذ قرارات الإزالة السكان أمام واقع قسري، إذ لم تعد المخاوف مرتبطة باحتمال الهدم مستقبلا، بل أصبحت المعدات تعمل بجوار المنازل بينما تبحث الأسر عن إجابات لا توفرها الجهات الرسمية.

 

ومن الناحية المعيشية، أدى هدم بعض المباني المحيطة إلى اضطراب الخدمات الأساسية، حيث اشتكى السكان من انقطاع الكهرباء والغاز، وهو ما ضاعف معاناتهم وحول البقاء المؤقت داخل المنطقة إلى تجربة يومية محفوفة بالمخاطر.

 

وبحسب المحامي كريم سمير، أحد أبناء المنطقة، لم يتلق السكان إخطارات مسبقة كافية تمنحهم فرصة لترتيب أوضاعهم، كما لم توفر الجهات المعنية قناة اتصال مباشرة تشرح الجدول الزمني للإخلاء ومراحل تنفيذ الأعمال.

 

ويشير سمير إلى أن عمليات الهدم غير المنسقة تسببت في تعطل المرافق بالمحيط السكني، معتبرا أن غياب المعلومات الرسمية يزيد حالة عدم اليقين ويترك الأهالي بين خطر البقاء في مبان مهددة وصعوبة المغادرة.

 

وعلاوة على ذلك، لا تقتصر الأزمة على فقدان جدران ومساكن، وإنما تشمل تفكيك مجتمع تشكل عبر سنوات طويلة حول المساجد والأسواق والخدمات، وهو ما يجعل الانتقال المفاجئ خسارة اجتماعية يصعب تعويضها بمبلغ مالي منفرد.

 

تعويضات لا توفر البديل

 

أما محمد أحمد مصطفى، فيواجه ضغوطا متزايدة لتأمين مستقبل أسرته المكونة من 6 أفراد، بعدما أصبح مسكنه ضمن قرارات الإزالة، في وقت يرى أن مبلغ 650 ألف جنيه لا يوفر منزلا بديلا مناسبا.

 

وبسبب ارتفاع أسعار العقارات، يخشى مصطفى أن تتحول قيمة التعويض إلى مبلغ عاجز عن شراء وحدة تستوعب أسرته، خصوصا مع وجود حالات مرضية تحتاج إلى الاستقرار وعدم الانتقال المتكرر بين مساكن مؤقتة أو مناطق بعيدة.

 

ومن ثم، فإن الاعتراض لا يستهدف مبدأ التطوير، وإنما يتركز على الفجوة بين قيمة العقار الفعلية والمبلغ المعروض، إضافة إلى غياب بديل سكني واضح يراعي عدد أفراد الأسرة واحتياجاتها الصحية والاجتماعية.

 

وعلى الصعيد الإنساني، تعاني وفاء السيد البالغة من العمر 60 عاما حالة نفسية صعبة بسبب ارتباطها الطويل بمسكنها، إذ لا ترى في التعويض المالي بديلا عن علاقاتها الاجتماعية والخدمات الطبية المحيطة بها.

 

كذلك تخشى السيدة الانتقال إلى بيئة غريبة تفتقر إلى شبكة الدعم التي اعتادت عليها، معتبرة أن فقدان الجيران والمكان والخدمات قد يضعها أمام عزلة قاسية، حتى إذا حصلت على قيمة التعويض المقررة.

 

وفي هذا السياق، يكشف الباحث العمراني إبراهيم عز الدين أن غياب الشفافية في عرض مشروعات المنفعة العامة يضع المواطنين أمام إجراءات معقدة، بينما تؤدي البيروقراطية وفقدان الوثائق التاريخية إلى إضعاف قدرتهم على إثبات حقوقهم.

 

ووفقا لعز الدين، قد يدفع غياب المستندات العقارية القديمة بعض أصحاب الحقوق إلى قبول مبالغ زهيدة لا تعكس القيمة الحقيقية لمساكنهم، لذلك يطالب بإشراف قضائي كامل يضمن عدالة التقييم ويحمي المتضررين من ضياع حقوقهم.

 

وبناء على ذلك، يصبح التعويض العادل أكثر من مجرد تقدير مالي للعقار، إذ يجب أن يشمل تكلفة الانتقال وتأثيره الاجتماعي والصحي، ويضمن حصول الأسرة على مسكن مناسب بدلا من دفعها إلى البحث داخل سوق عقارية مرتفعة الأسعار.

 

التراث فوق السكان

 

وفي تجارب سابقة، عرضت الدولة على سكان مثلث ماسبيرو الاختيار بين التعويض المالي والسكن البديل، بينما أزيلت منطقة تل العقارب وأعيد إنشاؤها تحت اسم روضة السيدة لتضم 816 وحدة سكنية للسكان المستحقين.

 

وبالمثل، نقلت السلطات سكان عزبة أبو قرن وسور مجرى العيون إلى مشروعات إسكان بديل، ضمن خطط تستهدف إعادة تأهيل المناطق التاريخية وتحويلها إلى مقاصد سياحية، لكن الانتقال ظل مصحوبا بتحديات اجتماعية وإنسانية واسعة.

 

غير أن تكرار هذه التجارب لا يقدم ضمانة تلقائية لسكان مساكن الأوقاف، لأن كل منطقة تختلف في أوضاع الملكية وعدد الأسر وقيمة العقارات، بينما يظل غياب الخطة المعلنة سببا أساسيا لاستمرار القلق والترقب.

 

ومن الوجهة القانونية، ينظم قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990 إجراءات الاستيلاء على العقارات للمنفعة العامة، إلا أن التعقيدات المرتبطة بإثبات الملكية والتقييم والتنفيذ قد تضع المواطنين في مواجهة طويلة وغير متكافئة مع الجهات الإدارية.

 

وفي رؤية مقابلة، تدافع مستشارة وزيرة التخطيط العمراني مها فهيم عن مشروعات تطوير القاهرة التاريخية، مؤكدة أنها تستهدف استعادة الهوية البصرية للمنطقة وحماية التراث العمراني من مظاهر العشوائية والتدهور التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

 

وتوضح فهيم أن التعويضات تخضع لتقييمات الجهات التنفيذية والمحافظة، وأن الدولة تتحرك لتحقيق الصالح العام، لكن هذه التأكيدات لا تجيب بصورة مباشرة عن مطالب السكان المتعلقة بقيمة التعويض وموقع السكن البديل وموعد تسليمه.

 

لذلك، يظل التحدي الحقيقي هو تحقيق توازن بين حماية التراث وصيانة حق المواطنين في السكن، فلا يجوز ترميم المشهد التاريخي على حساب استقرار الأسر أو تحويل المناطق الأثرية إلى واجهات سياحية تخلو من سكانها الأصليين.

 

وأخيرا، يحتاج سكان مساكن الأوقاف إلى قرارات مكتوبة تضمن التعويض العادل والسريع، وتوفر بدائل سكنية ملائمة قبل الإخلاء، وتحافظ على وصول كبار السن والمرضى إلى الخدمات، حتى لا يتحول التطوير إلى مسار جديد للتهجير القسري.