كشف مصطفى الشيخ، رئيس شعبة البن بالغرفة التجارية، أن نحو 80% من البن المتداول في الأسواق المصرية لا يطابق المواصفات الطبيعية، ما أثار قلق المستهلكين وفتح ملف الغش التجاري ومخاطره الصحية وغياب الرقابة.
وفي سياق أوسع، تعكس الواقعة هشاشة منظومة الرقابة على الغذاء في مصر، حيث يتحمل المواطن كلفة الغلاء مرتين، مرة عند الشراء بأسعار مرتفعة، ومرة حين يواجه منتجاً مجهول المكونات قد يهدد صحته دون حماية حقيقية.
وفي المقابل، لم يقدم التصريح بيانات تفصيلية عن حجم العينات أو مناطق سحبها أو الجهات التي فحصتها، وهو نقص لا يلغي خطورة الادعاء، لكنه يفرض إعلان الأدلة والمنهجية حتى لا يبقى المستهلك أسير الخوف والتكهن.
ومن ناحية أخرى، أوضح الشيخ أن بعض المقاهي تستخدم أنواعاً مخلوطة وتبيعها بأسعار مرتفعة باعتبارها قهوة أصلية، بما يحول الغش من مخالفة فردية إلى سلسلة ربح تبدأ من المورد وتنتهي عند فنجان يدفع المواطن ثمنه كاملاً.
إلى جانب ذلك، زاد ارتفاع أسعار القهوة عالمياً الحافز أمام بعض التجار لاستبدال جزء من البن بمواد أرخص، بينما بقيت قدرة المستهلك على التحقق محدودة، خصوصاً مع شراء مسحوق جاهز لا يمكن تمييز مكوناته بصرياً.
وفي الوقت نفسه، يثير رقم 80% سؤالاً مباشراً حول دور أجهزة حماية المستهلك والرقابة الغذائية، إذ لا يكفي تداول التحذيرات إعلامياً من دون حملات فحص معلنة، وسحب المنتجات المخالفة، ونشر أسماء الجهات التي تثبت مسؤوليتها.
وفوق ذلك، لا يتعلق الأمر بجودة مشروب يومي فحسب، بل بحق أساسي في معرفة مكونات الغذاء، لأن المواطن محدود الدخل لا يملك رفاهية اختبار كل سلعة، ولا ينبغي تحميله مسؤولية تقاعس المؤسسات عن الرقابة.
خريطة الغش الشائعة
بحسب الإفادات الطبية، تشمل طرق الغش الشائعة خلط البن بنوى البلح المحمص أو البسلة أو الفول السوداني والبقوليات، ثم طحن الخليط بدرجة تخفي مكوناته، مستفيدين من تشابه اللون بعد التحميص وصعوبة التمييز لدى المشتري.
كما تشمل الممارسات إضافة الشعير والذرة وفول الصويا، وهي مواد غذائية أقل كلفة يمكن أن تغير الطعم والقيمة الغذائية ونسبة مضادات الأكسدة، من دون أن تظهر بالضرورة للمستهلك في المسحوق الداكن أو الخلطات كثيرة التوابل.
ولزيادة الخداع، قد تضاف بيكربونات الصوديوم أو مسحوق الخبز لإنتاج رغوة كثيفة تمنح انطباعاً زائفاً بالجودة، وهي حيلة تستغل ارتباط الرغوة في أذهان كثيرين بسلامة البن، رغم أنها لا تثبت أصالته أو نقاءه.
أما في البن المحوج، تصبح عملية الكشف أصعب، لأن التوابل القوية قد تحجب الرائحة المختلفة وتغطي مذاق المواد المضافة، وهو ما يمنح الغشاش مساحة أوسع لتمرير خليط رديء تحت غطاء النكهة الجذابة.
وعلى مستوى التجربة، يظهر الاختلاف أحياناً في ضعف الرائحة وتراجع المذاق وغياب التأثير المنبه المعتاد، فقد يشرب المستهلك فنجاناً كاملاً من دون أن يشعر باليقظة أو التركيز اللذين يرتبطان عادة بكمية الكافيين الطبيعية.
لكن عملياً، لا يمكن الاعتماد على الطعم وحده لإثبات الغش، لأن التحميص والتخزين والتوابل ودرجة الطحن تغير صفات القهوة أيضاً، ولذلك يبقى التحليل المخبري الطريق الأدق لتحديد المكونات ونسبها ومدى مطابقتها للمواصفات.
ومن جهة علمية، أشار جمال شعبان إلى أن نوى التمر والبقوليات ليست سامة للقلب في ذاتها، وأن الأدلة المتاحة لا تثبت ضرراً قلبياً مباشراً من إضافتها، مع بقاء المشكلة في الخداع والمكونات المجهولة.
وبالمثل، أوضحت مراجعات علمية أن الإضافات الغذائية الشائعة لا تسبب عادة أضراراً جسيمة، فيما لم تظهر قهوة نوى التمر آثاراً ضارة في تجارب حيوانية قصيرة المدى، لكن هذه النتائج لا تبرر بيع خليط مجهول للمواطنين.
مخاطر صحية محتملة
غير أن الخطر يتغير جذرياً عندما تدخل مواد غير غذائية أو مركبات دوائية في الخليط، لأن المستهلك يتناولها بلا علم وبجرعات غير معروفة، وقد تتفاعل مع حالته الصحية أو أدويته وتسبب مضاعفات يصعب توقعها.
وعلاوة على ذلك، أشار شعبان إلى رصد حالات غش بمواد مثل دواء السيبوترامين ونتريت الإيزوبوتيل، وهي إضافات قد تحمل مخاطر خطيرة، بما يجعل القضية أبعد كثيراً من مجرد تخفيض جودة القهوة أو سرقة قيمتها.
كذلك، قد تتحول إضافات غذائية تبدو عادية إلى تهديد مباشر لمرضى الحساسية، خصوصاً عند وجود القمح أو الصويا أو الحليب من دون بيان، إذ يمكن أن يتعرض المصاب لتفاعل مفاجئ وهو يجهل مصدره الحقيقي.
ومن الناحية الهضمية، قالت أميرة إمام إن المواد المضافة غير المطابقة أو سيئة التخزين قد تسبب التهابات وتهيجاً في المعدة واضطرابات بالجهاز الهضمي، وتتفاوت شدة الأعراض وفق نوع المادة وكميتها وحالة الشخص الصحية.
وعلى المدى الطويل، حذرت إمام من احتمال اختلال توازن الأملاح وارتفاع ضغط الدم لدى بعض الفئات، إلى جانب آثار سلبية محتملة على الكبد والكلى، ولا سيما بين أصحاب الأمراض المزمنة الأكثر تأثراً بالمكونات المجهولة.
مع ذلك طبياً، تظل بعض هذه الاحتمالات بحاجة إلى ربطها بنوع الإضافة وجرعتها ومدة التعرض، فلا يجوز تحويل التحذير إلى تشخيص شامل، كما لا يجوز استخدام غياب الدليل القاطع ذريعة للتهون مع الغش.
لذلك، تكمن الخطورة الأساسية في انعدام اليقين، فالمستهلك لا يعرف ما خلط بالبن ولا مصدره ولا ظروف تخزينه، ولا يملك بطاقة بيان صادقة تساعد الطبيب على تفسير أعراض محتملة أو تحديد سببها.
الرقابة وحماية المستهلك
وبناءً على ذلك، نصح الطبيبان بشراء البن من علامات معروفة أو اختيار الحبوب الكاملة وطحنها في المنزل، لأن رؤية الحبوب تقلل فرص الخلط المسبق، وإن كانت لا تغني عن مسؤولية الجهات الرسمية في ضمان السلامة.
ومن ثم، يظل الشراء من متجر موثوق يطحن الحبوب أمام العميل خياراً أكثر أماناً من العبوات مجهولة المصدر، مع ضرورة فحص الرائحة والشكل وتاريخ الإنتاج والتخزين، وعدم الانخداع بالسعر المرتفع أو كثافة الرغوة.
وعلى صعيد الرقابة، تتطلب خطورة النسبة المعلنة تحركاً رسمياً يشمل سحب عينات ممثلة من المحافظات، وإجراء تحاليل مستقلة، وإعلان النتائج للرأي العام، بدلاً من ترك السوق بين تصريحات مثيرة وطمأنة محدودة بلا بيانات قابلة للتحقق.
وفي الإطار نفسه، ينبغي إلزام المنتجين والمقاهي ببيانات دقيقة للمكونات، وتشديد العقوبات على الغش، ونشر أسماء المخالفين بعد ثبوت الوقائع قانونياً، لأن السرية في قضايا الغذاء تحمي سمعة التاجر على حساب صحة المواطن.
وأخيراً، تكشف أزمة البن عن خلل أوسع في علاقة المواطن بالسوق والدولة، فحين يدفع الناس أسعاراً متصاعدة مقابل سلع مجهولة، تصبح الرقابة الغائبة شريكاً في الضرر، وتتحول القهوة اليومية إلى اختبار جديد لحق المصريين في الأمان.

