أثار وصول منتخب مصر إلى مطار العلمين الجديدة بدلًا من مطار القاهرة الدولي موجة واسعة من التساؤلات والغضب بين المصريين، بعدما بدا أن السلطة اختارت إبعاد لحظة وطنية نادرة عن العاصمة وجمهورها، وحصرت الاحتفال في مشهد محدود داخل الصحراء، رغم الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب في مونديال 2026، ببلوغ دور الـ16 وتحقيق أول انتصارات مصر في تاريخ كأس العالم.
وبدلًا من أن تتحول عودة المنتخب إلى احتفال شعبي مفتوح يليق ببلد يبلغ عدد سكانه نحو 109 ملايين نسمة، ظهر اللاعبون في استقبال وصفه منتقدون بأنه فقير ومُدار أمنيًا، ثم انتقلوا بين مطار العلمين وأحد فنادق المدينة وسط حضور محدود، في مشهد عزز اتهامات السلطة بأنها لا تثق في أي تجمع جماهيري خارج سيطرتها المباشرة.
مشهد استقبال عبثي للمنتخب المصري في صحراء العلمين.. كيف أغضب المصريين؟ pic.twitter.com/H220zrlhcO
— شبكة رصد (@RassdNewsN) July 10, 2026
كان من المنتظر أن يحظى المنتخب باستقبال كبير بعد فوزه على نيوزيلندا وأستراليا، وتسجيله 8 أهداف خلال البطولة، ثم خروجه بصعوبة أمام الأرجنتين بنتيجة 3-2 وسط شكاوى تحكيمية. لكن السلطة، وفق معارضين، لم تر في هذه المناسبة فرصة للفرح الوطني، بل خطرًا أمنيًا محتملًا يجب تطويقه وإبعاده عن قلب القاهرة.
الخوف من الجماهير
يرى السياسي المصري محمد سودان أن قرار استقبال المنتخب في العلمين يعكس خوفًا متجذرًا لدى النظام من المصريين، ومن أي حشد جماهيري قد يتحول إلى تعبير سياسي يصعب احتواؤه. وبحسب رؤيته، فإن السيسي لا يثق حتى في الدوائر التي شاركته الوصول إلى الحكم، بعدما أطاح بعدد كبير من القيادات العسكرية والشرطية.
ويعتقد سودان أن هذا الشعور بالخوف امتد إلى طريقة بناء مؤسسات الحكم الجديدة، بدءًا من القصور الرئاسية الضخمة، وصولًا إلى العاصمة الإدارية والمنشآت المحصنة في الصحراء، بما يعكس عقلية تبحث عن المسافات والأسوار والحماية الإلكترونية بدلًا من القرب من المواطنين.
ويضيف أن هبوط طائرة المنتخب في مطار القاهرة كان يمكن أن يدفع آلاف المصريين إلى التجمع حول المطار وعلى الطرق التي تمر بها الحافلة، وهو ما قد يتحول، في ظل الضغوط المعيشية والفقر والقهر، إلى مشهد أكبر من مجرد استقبال رياضي.
ومن هذا المنطلق، يرى سودان أن اختيار العلمين لم يكن صدفة تنظيمية، بل قرارًا محسوبًا يهدف إلى نقل الحدث إلى منطقة بعيدة وهادئة، يسهل التحكم في جمهورها، ولا يستطيع أغلب المصريين الوصول إليها، خاصة أن المناطق المحيطة بالمطار تضم قرى ومنتجعات تسكنها طبقات ميسورة ومرتبطة بمصالح السلطة.
أما السياسي المعارض سعيد عباسي، فيربط القرار بما حدث خلال مباريات المنتخب في الولايات المتحدة، عندما رفع حسام حسن والجماهير المصرية والعربية علم فلسطين، إلى جانب المؤتمر الصحفي الذي دافع فيه المدير الفني عن القضية الفلسطينية ورفض الظلم.
وبحسب عباسي، أثار هذا المشهد غضب السلطة وأحرجها أمام إسرائيل، خصوصًا مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي دعمه للأرجنتين أمام مصر، ولذلك كان النظام حريصًا على منع أي استقبال جماهيري في القاهرة قد يتحول إلى مظاهرة واسعة ترفع فيها الأعلام الفلسطينية.
ويعتقد أن السماح بعشرات الآلاف في شوارع العاصمة كان سيخلق مشهدًا لا تستطيع الأجهزة الأمنية التحكم فيه، خاصة أن السلطة سبق أن أوقفت شبابًا بسبب رفع علم فلسطين أو التعبير عن التضامن معها، ما يجعل الاحتفال الشعبي بالمنتخب مرتبطًا في نظرها باحتمال انفجار سياسي.
فرحة تحولت إلى ملف أمني
يقول الحقوقي المصري مصطفى عزب إن المشكلة لا تتعلق باسم المطار، بل بعقلية نظام يرى في كل تجمع شعبي مشروع أزمة أمنية. فالدولة الطبيعية تعتبر احتشاد الناس لاستقبال منتخب بلادهم دليلًا على الوحدة، بينما تتعامل السلطة المصرية معه بوصفه تهديدًا يحتاج إلى تطويق وحصار.
ويرى عزب أن السيسي سبق أن برر إنشاء العاصمة الجديدة والمنشآت العسكرية والإدارية في الصحراء بالخوف من تكرار الحراك الشعبي، ولذلك لم يكن غريبًا، بحسب قوله، أن يجري إبعاد المنتخب أيضًا عن القاهرة، لأن من يخاف من شعبه وهو غاضب سيخاف منه كذلك وهو يحتفل.
ويصف ما جرى بأنه تهريب للاحتفال الوطني، لا تكريم للمنتخب، متسائلًا عما إذا كانت كرة القدم قد أصبحت أخطر من الإرهاب، وما إذا كانت هتافات الجماهير للمنتخب تمثل تهديدًا للأمن القومي، حتى يجري اختيار مطار معزول وصحراء بعيدة.
ويشير عزب إلى أن وجود الجماهير بأعداد كبيرة كان قد يفتح الباب لرفع علم فلسطين إلى جانب العلم المصري، وترديد هتافات لا تتحكم فيها السلطة، وهو مشهد لم يكن مرغوبًا فيه، سواء داخل القاهرة أو أمام الكاميرات ووسائل الإعلام.
وبحسب رؤيته، فإن السلطة تخشى الصورة التي لا تصنعها بنفسها، والهتاف الذي لا تكتبه أجهزتها، والفرحة التي لا تمر عبر ترتيباتها الأمنية. ولذلك بدت عودة المنتخب كأنها عملية شديدة الحساسية، رغم أن الفريق عاد بعد مشاركة مشرفة لا بعد أزمة أمنية.
ويؤكد عزب أن النظام لو كان واثقًا من شعبيته لفتح شوارع القاهرة أمام المنتخب، وسمح للمصريين باستقبال اللاعبين، بدلًا من إبعاد المناسبة إلى مدينة ساحلية محاطة بالطرق الطويلة والمنتجعات المغلقة.
غضب من سرقة المشهد
لم تتوقف الانتقادات عند السياسيين والحقوقيين، إذ عبّر ناشطون وإعلاميون عن غضبهم من الطريقة التي أُدير بها الاستقبال، معتبرين أن السلطة حرمت المصريين من لحظة استثنائية كان يمكن أن تمنحهم قدرًا من الفرح وسط أزمات اقتصادية واجتماعية متلاحقة.
وقالت الناشطة ماهينور المصري بسخرية إنها تتمنى أن يكون الرئيس مطمئنًا لعدم وجود تجمعات كبيرة لمصريين فرحين، في إشارة إلى أن السلطة تعاملت مع احتمال تجمع المواطنين باعتباره خطرًا يجب منعه، لا مناسبة تستحق الاحتفاء.
أما الإعلامي والحقوقي هيثم أبوخليل، فربط المشهد بما وصفه بجمهورية الخوف، التي أنشأت عاصمة جديدة في الصحراء، واستقبلت المنتخب في صحراء أخرى، وزجت بعشرات الآلاف من الشباب داخل المعتقلات بدافع الخوف ذاته.
"جمهوريةُ الخوف العربية!
— Haytham Abokhalil هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) July 10, 2026
أُنشئت عاصمةٌ جديدةٌ في الصحراء..
من أجل الخوف!
واستُقبل المنتخبُ القومي في صحراء العلمين.
من أجل الخوف!
وزُجَّ بعشرات الآلاف من خيرة شبابها في المعتقلات..
من أجل الخوف!
وزُيِّفت وزُورت الانتخاباتُ كافةً..
من أجل الخوف!"
والمدهش أن الشعب خائف أيضًا! pic.twitter.com/kQ8IoYoOkD
ووصف الناشط أشرف أيوب المشهد بأنه استقبال يخص منتسبي الجمهورية الجديدة المتحصنة بعيدًا عن المصريين، بينما قال الصحفي مصطفى عبدالسلام إن السلطة انتزعت اللحظة لنفسها، وحرمت الشعب من واحدة من المناسبات النادرة التي يمكن أن تجمعه وتوحده.
واعتبر الكاتب شادي الشربيني أن نقل الاستقبال إلى العلمين كان مؤامرة لقطع الطريق على استقبال شعبي واسع، مؤكدًا أن كرة القدم التي طالما استخدمتها السلطة كوسيلة لإلهاء الناس تحولت هذه المرة إلى مساحة لإيقاظ الوعي وتفجير طاقة الجماهير.
وقالت الناشطة إيمان عبدالوهاب إن سرقة فرحة المصريين باستقبال المنتخب أكثر قسوة من الهزيمة أمام الأرجنتين والظلم التحكيمي الذي صاحب المباراة، لأن الخسارة الرياضية يمكن تجاوزها، بينما يظل الإحساس بالإقصاء والإهانة أكثر رسوخًا.
ولخص المحامي نجاد البرعي المشهد بظهور عشرات الشباب يركضون خلف حافلة المنتخب في طرق الصحراء، وهو ما دفع الكاتب الفلسطيني نظام المهداوي إلى القول إن السلطة تريد أن ترى المصريين في صورة المهان والجائع والفقير الذي يطارد فرحته من بعيد.
المحامي نجاد البرعي: اللعيبة في أتوبيس مكشوف تحيي شخوص غير مرئية في صحراء مصر الغربية#مزيد pic.twitter.com/EGsPKmChdq
— مزيد - Mazid (@MazidNews) July 10, 2026
وهكذا تحولت عودة المنتخب من مناسبة كان يمكن أن تملأ القاهرة بالأعلام والهتافات إلى مشهد محدود خلف الأسوار والطرق البعيدة. وبينما حقق اللاعبون ما عجزت عنه أجيال سابقة، بدت السلطة أكثر انشغالًا بمنع الجمهور من الاحتفال، وكأن الإنجاز نفسه أصبح خطرًا يجب احتواؤه

