سقط 3 مواطنين بينهم أطفال بلدغات الثعابين خلال فترة قصيرة في مركز منيا القمح بالشرقية، وتصاعدت شكاوى الأهالي من صعوبة الوصول إلى مضادات السموم، قبل أن تخرج وزارة الصحة لتؤكد أن الأمصال متوافرة وأن الأزمة ليست نقصا في المخزون، في مشهد اصطدمت فيه الطمأنات الحكومية بوقائع الموت نفسها.

 

ولا تستطيع الحكومة أن تختزل القضية في بيان عن وجود مخزون استراتيجي، لأن السؤال الذي فرضته الجنازات ليس كم أمبولا تملك الوزارة داخل مخازنها، بل لماذا مات مواطنون في منطقة واحدة، ولماذا ارتفعت الشكاوى، ولماذا لم يعرف الناس خريطة العلاج إلا بعد سقوط الضحايا.

 

ففي الوقت الذي تحدثت فيه وزارة الصحة عن توافر المصل بالمستشفيات العامة والمركزية والنموذجية، كشفت الشرقية وحدها عن 3 وفيات خلال فترة قصيرة، بينما تحدثت تقارير عن التعامل مع عشرات الإصابات، وهو تناقض لا يحسمه تكرار عبارة «المصل متوافر».

 

الأخطر أن الوزارة لم تنشر قائمة أماكن توافر الأمصال في المحافظات إلا بعد انفجار الجدل ووقوع الوفيات، وهو ما يطرح سؤالا لا تجيب عنه البيانات الرسمية، أين كانت هذه الخريطة قبل أن تبدأ الأسر في دفن ضحاياها، ولماذا يتحرك الجهاز الحكومي دائما بعد الكارثة.

 

المشكلة إذن ليست مجرد نقص مثبت أو مخزون منفي، بل منظومة كاملة يفترض أن تربط القرية بالمستشفى والمصل وسيارة الإسعاف والطبيب المدرب خلال وقت قصير، بينما تكشف شكاوى الأهالي والتحرك البرلماني أن هذه الحلقة لا تعمل بالوضوح والسرعة اللذين تحاول الحكومة تصويرهما.

 

 

المصل موجود والضحايا يموتون

 

يؤكد الدكتور شريف عبد الله، أستاذ علم الحيوان والباحث المتخصص في سموم الثعابين، أن التعرض للدغة يستوجب التوجه الفوري إلى المستشفى، وأن مصر تضم أكثر من 40 نوعا من الثعابين، من بينها نحو 10 أنواع تمتلك غددا سامة، بما يجعل سرعة التقييم والعلاج مسألة حاسمة.

 

لكن هذا الكلام العلمي نفسه يضع الحكومة أمام مسؤوليتها، فالتوجيه إلى المستشفى لا يكفي لمزارع في قرية بعيدة لا يعرف أين يوجد المصل، ولا يفيد طفلا إذا كانت أقرب منشأة قادرة على العلاج تحتاج إلى رحلة طويلة، بينما السم لا ينتظر انتهاء إجراءات النقل والبحث والسؤال.

 

وتقول وزارة الصحة إن غياب المصل عن الوحدات الصحية الصغيرة ليس نقصا، بل إجراء طبي، لأن إعطاءه قد يسبب مضاعفات خطيرة ويحتاج إلى مستشفى مجهز وطواقم قادرة على الإنعاش والمتابعة، وهي حجة طبية مفهومة لكنها لا تعفي الحكومة من توفير الوصول السريع إلى تلك المستشفيات.

 

فإذا كان المصل لا يمكن وضعه في الوحدة الصحية، يصبح واجب الدولة مضاعفا في توفير سيارة إسعاف سريعة، وخريطة معلنة ومحدثة، ومستشفى قريب مجهز، وخط توجيه فوري يخبر الأسرة أين تتجه، بدلا من ترك المواطنين يكتشفون مسار النجاة وهم يحملون مصابا يتدهور.

 

وتكشف واقعة إنقاذ سيدة في سوهاج بعد احتياجها إلى 42 جرعة من المصل مدى تعقيد بعض الحالات وخطورتها، كما تكشف في الوقت نفسه أن وجود العلاج والفريق المجهز قد يصنع الفارق بين النجاة والموت، وهو الفارق الذي لا تضمنه الطمأنات العامة وحدها.

 

ومع ذلك، اختارت بعض التصريحات الرسمية مهاجمة ما وصفته بالمبالغات والذعر غير المبرر، رغم أن الشرقية كانت قد شهدت بالفعل وفيات مؤكدة، وهو خطاب يعيد المشكلة القديمة نفسها، حيث تتحول مخاوف المواطنين إلى «شائعات» بدلا من التعامل معها باعتبارها إنذارا يستحق التحقيق والمحاسبة.

 

 

حرارة معروفة وحكومة متأخرة

 

يؤكد الدكتور حسام طلبة، خبير الزواحف، أن الفترة من يونيو إلى سبتمبر تمثل ذروة نشاط بعض الثعابين، وأن ارتفاع الحرارة يدفعها إلى مغادرة الجحور والبحث عن الرطوبة والظل قرب الزراعات والأشجار، ما يعني أن الخطر موسمي ومعروف وليس مفاجأة تهبط على الحكومة بلا إنذار.

 

وهنا يسقط عذر المفاجأة تماما، فإذا كانت أشهر الخطر معروفة ومناطق الانتشار معروفة، فلماذا لا تبدأ عمليات تطهير الترع والمصارف وإزالة الحشائش ومكافحة القوارض قبل الصيف، بدلا من انتظار ظهور الثعابين داخل الحقول والمنازل ثم مطالبة المواطنين بالتصرف بهدوء.

 

وقد دفعت هذه الفجوة النائبة أميرة فؤاد رزق إلى توجيه سؤال برلماني للحكومة بشأن نقص مضادات السموم وخطة مواجهة انتشار الثعابين، مطالبة بتطهير المصارف وإزالة المخلفات ووضع خريطة للمناطق الأعلى تسجيلا للإصابات، وهي مطالب تكشف ما لم تنفذه الحكومة مسبقا.

 

كما طالبت النائبة بتشديد الرقابة على سلاسل التبريد والتخزين، والتأكد من حماية الأمصال من انقطاع الكهرباء، وتدريب الأطقم الطبية على التعامل مع الحالات، وهي أسئلة لا تطرح عادة عندما تكون المنظومة محكمة، بل عندما توجد شكوك جدية حول قدرتها على العمل تحت الضغط.

 

ولا يمكن لوزارة الصحة أن تحمل الملف وحدها، فانتشار الزواحف يرتبط بالقمامة والحشائش والمصارف والقوارض والتمدد العمراني نحو الظهير الصحراوي، ما يجعل وزارات التنمية المحلية والزراعة شريكتين في المسؤولية عن الوقاية قبل أن يصبح المريض رقما جديدا داخل مستشفى.

 

لكن الحكومة لا تعرض حتى الآن خطة واحدة متكاملة يعرف منها المواطن من يراقب مناطق الخطر، ومن يطهر المصارف، ومن يقيس المخزون، ومن يراقب التبريد، ومن يدرب الفرق الطبية، ومن يحاسب المقصر عندما تنتهي لدغة كان يمكن علاجها إلى جنازة.

 

 

خريطة ظهرت بعد الجنازات

 

يؤكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، أن ظهور الثعابين والعقارب يرتبط بموسم الحرارة، وهي حقيقة تجعل الرصد المبكر ممكنا، وتمنح الحكومة فرصة للاستعداد قبل الصيف بدلا من الاكتفاء برد الفعل بعد سقوط الضحايا.

 

غير أن ما حدث سار في الاتجاه العكسي، فقد سبقت الوفيات نشر القائمة الحكومية الواسعة لأماكن الأمصال، وسبقت شكاوى الأهالي التحرك البرلماني، وسبق انتشار الخوف الحديث الرسمي عن خرائط الطوارئ، بما يكشف إدارة تتحرك خلف الأزمة بدلا من أن تسبقها.

 

والحكومة التي تؤكد أن المخزون آمن مطالبة بنشر أرقام لا عبارات، تشمل عدد حالات اللدغ في كل محافظة، وعدد الوفيات، ومخزون كل مستشفى، ومتوسط زمن وصول المصاب، وعدد سيارات الإسعاف في البؤر الخطرة، بدلا من مطالبة الناس بتصديق بيان واحد.

 

كما أن الحديث عن تصنيع الأمصال محليا لا ينهي الأزمة، لأن الدواء الذي لا يصل إلى المصاب في الوقت المناسب لا ينقذه، والمستشفى الذي يبعد عن القرية عشرات الكيلومترات لا يصبح قريبا لأن مخزنه ممتلئ، والنجاح الحقيقي يقاس بحياة المواطنين لا بأرصدة المخازن.

 

وتكشف وفيات الشرقية هذه الحقيقة بأقسى صورة، فثلاثة أشخاص لم يكونوا أرقاما في حملة على مواقع التواصل، بل ضحايا حقيقيين سقطوا في فترة قصيرة داخل مركز واحد، بينهم أطفال، وهو ما يكفي لنسف أي محاولة لتصوير القلق الشعبي باعتباره ذعرا بلا مبرر.

 

ولا يعني ذلك أن كل وفاة سببها نقص المصل، فالمعلومات المنشورة لا تثبت ذلك، لكن هذا تحديدا ما يجعل التحقيق ضروريا، لمعرفة زمن نقل كل ضحية، والمستشفيات التي وصل إليها، وما إذا كان المصل متوافرا، ومتى أعطي، ولماذا فشل العلاج.

 

بدون هذه الإجابات، يصبح نفي الأزمة مجرد رواية حكومية في مواجهة وقائع لم تخضع لتحقيق معلن، وتصبح عبارة «الأمصال موجودة» ستارا يحجب السؤال الأهم، هل كانت موجودة في المكان الصحيح والوقت الصحيح عندما احتاج إليها من ماتوا.

 

وفي النهاية، لا يحتاج المصريون إلى حكومة تعدهم بأن المخازن ممتلئة بعد دفن الضحايا، بل إلى دولة تمنع الخطر قبل وصوله، وتعرف أين تنتشر الثعابين، وتضع العلاج على مسافة إنقاذ حقيقية، وتحاسب المسؤول عندما يصل المصل متأخرا.

 

فالواقع لا يقاس بعدد البيانات، وإذا كانت الحكومة ترى أن لا أزمة، فعليها أن تشرح للمصريين لماذا مات 3 أشخاص في مركز واحد، ولماذا خرجت شكاوى نقص الأمصال، ولماذا احتاج الأمر إلى جنازات وتحرك برلماني قبل نشر خريطة أماكن العلاج.