رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي أعلن عنها وزير التربية والتعليم في مصر لتأمين امتحانات الثانوية العامة 2026، عادت أزمة تسريب الامتحانات إلى الواجهة مجددًا، بعدما تداولت صفحات الغش الإلكتروني، وعلى رأسها مجموعة "شاومينج بيغشش"، صورًا لامتحاني الفيزياء والتاريخ وإجابات مزعومة بعد دقائق من بدء اللجان.
ويعيد هذا التطور طرح تساؤلات حول مدى فعالية منظومة التأمين التي تؤكد الوزارة أنها تشمل جميع مراحل إعداد ونقل الامتحانات، في وقت تتواصل فيه محاولات مكافحة الغش الإلكتروني وسط تطور الوسائل التقنية المستخدمة في تسريب الأسئلة.
"شاومينج" يعلن التسريب ويحرج الوزارة
شهدت مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيق "تلجرام" صباح اليوم تداول صور قيل إنها تخص امتحاني الفيزياء للشعبة العلمية والتاريخ للشعبة الأدبية، بالتزامن مع بدء أداء الطلاب للامتحانات داخل اللجان. وأعلنت مجموعة الغش الإلكتروني المعروفة باسم "شاومينج بيغشش" نشر ما قالت إنها أسئلة الامتحان وإجاباتها، في تحدٍ جديد للإجراءات التي أعلنت وزارة التربية والتعليم اتخاذها لمنع أي عمليات تسريب أو غش.
ويأتي ذلك رغم تأكيد الوزارة في أكثر من مناسبة أن الامتحانات تخضع لمنظومة تأمين محكمة تبدأ من إعداد الأسئلة داخل الجهات المختصة، مرورًا بطباعتها داخل مراكز مؤمنة، ثم نقلها إلى مراكز التوزيع فاللجان الامتحانية وفق إجراءات رقابية مشددة.
وتثير هذه الواقعة تساؤلات متكررة حول ما إذا كانت الأزمة تتعلق بتسريب الامتحانات قبل وصولها إلى اللجان، أم أنها ناتجة عن تصوير الأسئلة بعد بدء الامتحان بواسطة بعض الطلاب باستخدام وسائل إلكترونية يتم تهريبها رغم إجراءات التفتيش، وهو السيناريو الذي تكرر خلال السنوات الماضية.
وتواصل الجهات المختصة عادة تتبع الصور المتداولة عبر وسائل التواصل لتحديد مصدرها، بينما يبقى الجدل قائمًا بين الرواية الرسمية التي تنفي حدوث تسريب مسبق، وبين ما تنشره صفحات الغش التي تؤكد قدرتها على الحصول على الأسئلة ونشرها أثناء سير الامتحانات.
إجراءات مشددة داخل اللجان وعقوبات صارمة للمخالفين
بالتزامن مع انطلاق امتحانات اليوم، شددت لجان الثانوية العامة في مختلف المحافظات إجراءات التفتيش قبل دخول الطلاب إلى مقار الامتحانات، مع التأكيد على منع اصطحاب الهواتف المحمولة أو السماعات اللاسلكية أو أي أجهزة إلكترونية يمكن استخدامها في الغش.
كما شهدت المدارس انتشارًا أمنيًا وتنظيمًا لحركة دخول الطلاب، في محاولة لضمان بدء الامتحانات في مواعيدها المحددة، وسط تأكيدات رسمية بتوفير الأجواء المناسبة لسير العملية الامتحانية.
وأكدت وزارة التربية والتعليم أن جميع مراحل الامتحانات مؤمنة بالكامل، بداية من طباعة الأسئلة وحتى وصولها إلى اللجان، مشيرة إلى وجود تنسيق مع مختلف الجهات المعنية لتأمين خطوط نقل أوراق الأسئلة والإجابة، إضافة إلى متابعة أعمال اللجان وغرف العمليات المركزية لرصد أي مخالفات أو شكاوى.
وفي المقابل، وجهت الإدارات التعليمية رسائل تحذيرية إلى الطلاب شددت فيها على الالتزام الكامل بالقواعد المنظمة للامتحانات، مؤكدة أن العقوبات قد تصل إلى إلغاء امتحان الطالب في جميع المواد إذا ثبت تورطه في تصوير الأسئلة أو نشرها أو تداول الإجابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أكدت أن الغش أو الشروع فيه أو تسهيله أو الاستفادة منه داخل اللجنة يعرض صاحبه للعقوبات القانونية، إلى جانب اعتبار مجرد حيازة الهاتف المحمول أو أي وسيلة إلكترونية داخل اللجنة مخالفة تستوجب المساءلة، حتى دون استخدامها فعليًا.
أزمة متكررة تعيد المطالبة بتطوير منظومة الامتحانات
تعيد واقعة تداول امتحاني الفيزياء والتاريخ النقاش حول قدرة الإجراءات التقليدية على مواجهة أساليب الغش الإلكتروني التي تطورت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، مع اعتماد بعض الصفحات على تطبيقات مشفرة ومنصات يصعب تتبعها أو إغلاقها بشكل فوري.
ويرى متخصصون في شؤون التعليم أن تشديد العقوبات وحده لا يكفي لإنهاء الظاهرة، بل يتطلب الأمر تطويرًا شاملًا لمنظومة الامتحانات، يشمل تعزيز وسائل التفتيش الإلكتروني، ورفع كفاءة المراقبة داخل اللجان، وسرعة التعامل مع أي محتوى يتم تداوله عبر الإنترنت أثناء الامتحانات.
كما يشير خبراء إلى أن استمرار ظهور صور الامتحانات كل عام، حتى وإن كان ذلك بعد بدء اللجان وليس قبلها، يؤثر سلبًا على ثقة الطلاب وأولياء الأمور في نزاهة العملية الامتحانية، ويغذي حالة من القلق بشأن تكافؤ الفرص بين جميع المتقدمين.
وفي المقابل، تؤكد وزارة التربية والتعليم في كل موسم امتحاني أنها تتابع ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي لحظة بلحظة، وتتخذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين، مع إحالة الوقائع إلى جهات التحقيق المختصة، مشددة على أن نشر صور الامتحانات لا يعني بالضرورة حدوث تسريب قبل بدء اللجان.
ومع استمرار التحديات التي تفرضها وسائل الاتصال الحديثة، تبقى مكافحة الغش الإلكتروني واحدة من أبرز الملفات التي تواجه منظومة الثانوية العامة، وسط مطالب متزايدة بإيجاد حلول تقنية وتشريعية أكثر فاعلية لضمان عدالة الامتحانات والحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب.

