أعادت الحكومة رفع أسعار تذاكر القطارات اعتبارا من الأول من يوليو 2026، للمرة الثانية خلال أقل من أربعة أشهر، لتضيف محطة جديدة إلى سلسلة زيادات متلاحقة شهدتها السكك الحديدية منذ تولي كامل الوزير وزارة النقل في مارس 2019، وسط غضب واسع من سياسة تسعير لا تمنح المواطن فرصة لالتقاط أنفاسه، ولا تفسر لماذا أصبحت الزيادة المتكررة هي الحل الجاهز لكل أزمة مالية داخل المرفق.

 

وخلال سبع سنوات فقط، مرت أسعار القطارات بسبع محطات رئيسية للزيادة، بينها زيادتان في 2020، ثم زيادات في 2022 و2024، قبل أن تتسارع الوتيرة في 2026 بزيادتين خلال أربعة أشهر فقط، ما يكشف أن المواطن لم يعد يتعامل مع قرار استثنائي، بل مع سياسة ثابتة تقوم على تحميل الركاب تكلفة العجز والتشغيل والديون، مهما تراجعت قدرتهم على دفع ثمن الرحلة.

 

7 زيادات والراكب هو الخزينة المفتوحة

 

بدأت أولى الزيادات في مارس 2020، بعد نحو عام من تولي كامل الوزير وزارة النقل، وشملت قطارات الدرجة الأولى والثانية المكيفة وقطارات كبار الشخصيات وقطارات تحيا مصر وبعض القطارات المطورة، بنسب تراوحت بين 15 و30 بالمئة في كثير من الخدمات.

 

ولم ينتظر الركاب طويلا حتى جاءت زيادة جديدة في يوليو من العام نفسه، شملت عددا من القطارات المكيفة وقطارات النوم والخدمات المميزة، وتراوحت بين 10 و20 بالمئة، تحت مبررات تطوير الخدمة وارتفاع تكاليف التشغيل، لتبدأ معادلة واضحة عنوانها أن أي تطوير للمرفق يدفع ثمنه المواطن مباشرة.

 

وفي يوليو 2022، عادت الحكومة إلى رفع أسعار القطارات المكيفة والروسية المطورة وبعض الاشتراكات بنسب تراوحت بين 10 و25 بالمئة، قبل أن تتكرر الزيادة في يناير 2024 على عدد من الخطوط، بالنسبة نفسها تقريبا، مع اختلافها وفقا لنوع القطار والمسافة.

 

وبعد تسعة أشهر فقط، جاءت زيادة أكتوبر 2024 لتشمل القطارات السريعة والمكيفة وقطارات تالجو وبعض الخدمات المطورة، بنسب تراوحت بين 12 و25 بالمئة، وربطت الوزارة القرار باستمرار تحديث الشبكة وإدخال جرارات وعربات جديدة.

 

لكن عام 2026 حمل التصعيد الأكبر، بعدما فرضت الوزارة في مارس زيادة بنسبة 12.5 بالمئة على الخطوط الطويلة و25 بالمئة على الخطوط القصيرة، ثم عادت في يوليو لرفع أسعار قطارات تحيا مصر بنسبة 25 بالمئة، والخطوط الطويلة بنسبة 12.5 بالمئة.

 

وهكذا، أصبحت الحكومة ترفع الأسعار مرتين كل عامين تقريبا، بل مرتين خلال أربعة أشهر في 2026، بينما تجاوزت الزيادة التراكمية على بعض الخطوط القصيرة 56 بالمئة، وفقا لما أورده عضو مجلس النواب حسام حسن في طلب إحاطة قدمه إلى وزير النقل.

 

مرتين كل سنتين وسياسة بلا سقف

 

تكشف الزيادات المتلاحقة أن المشكلة لم تعد في قرار بعينه، بل في سياسة تسعير لا تضع سقفا واضحا ولا تقترن بتقييم معلن لنتائج الزيادة السابقة قبل فرض أخرى جديدة، وكأن جيوب الركاب أصبحت المورد الأسهل لسد أي فجوة مالية.

 

وتبرر الحكومة هذه القرارات بارتفاع تكلفة التشغيل والصيانة، مشيرة إلى أن إجمالي مصروفات هيئة السكك الحديدية يصل إلى 15 مليار جنيه سنويا، مقابل إيرادات تقدر بنحو 10 مليارات جنيه، وهو ما يعني فجوة مالية تبلغ نحو 5 مليارات جنيه.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا يتحول هذا العجز في كل مرة إلى فاتورة جديدة يدفعها المواطن، من دون كشف تفصيلي عن أسباب تضخم المصروفات أو نتائج خطط التطوير أو حجم الإيرادات التي حققتها الزيادات السابقة.

 

النائب حسام حسن طالب الحكومة بتوضيح الأسس الاقتصادية التي تستند إليها في رفع الأسعار، ومدى انعكاس هذه القرارات على المواطنين، خاصة في محافظات الصعيد، التي تعتمد بصورة واسعة على القطارات باعتبارها وسيلة النقل الأساسية لملايين العمال والطلاب والموظفين وأصحاب المعاشات وصغار التجار.

 

ولا تتوقف آثار الزيادة عند ثمن التذكرة، لأن ارتفاع تكلفة الانتقال ينعكس مباشرة على فرص العمل والتعليم والعلاج، ويضع عبئا إضافيا على أسر تعاني بالفعل من زيادات متلاحقة في أسعار الوقود والكهرباء والغاز والسلع والخدمات.

 

كما أن تكرار الزيادات خلال فترة زمنية قصيرة يطرح سؤالا أكثر إحراجا لوزارة النقل، وهو ما إذا كانت قد أجرت تقييما حقيقيا لما حققته الزيادة السابقة، قبل أن تقرر العودة إلى جيب الراكب مرة أخرى.

 

ديون الوزارة على ظهر الفقراء

 

زاد الجدل مع ما تردد عن توجيه حصيلة الزيادة الأخيرة لسداد جزء من فوائد القروض المستحقة على وزارة النقل، وهو ما دفع حسام حسن إلى مطالبة الحكومة بتوضيح حقيقة الأمر وكشف أوجه استخدام الإيرادات الناتجة عن الزيادات السابقة.

 

وإذا كانت حصيلة التذاكر تستخدم بالفعل في خدمة القروض، فإن المواطن يصبح في هذه الحالة ممولا مباشرا لالتزامات الوزارة المالية، بينما لا يعرف حجم هذه الالتزامات ولا شروطها ولا كيف انعكست على مستوى الخدمة التي يحصل عليها.

 

وطالب النائب الوزارة بتقديم بيان تفصيلي يشمل تكلفة تشغيل مرفق السكك الحديدية، وحجم الإيرادات بعد الزيادات، ونسبة تغطيتها لتكاليف التشغيل، وحجم الالتزامات المالية السنوية، إلى جانب نتائج دراسة الأثر الاقتصادي والاجتماعي للقرارات الأخيرة.

 

كما دعا إلى التوسع في الاشتراكات المدعمة للعمال والطلاب والموظفين ومحدودي الدخل، ووضع سياسة تسعير تراعي خصوصية محافظات الصعيد، بدلا من فرض زيادات عامة تتجاهل الفروق الاجتماعية والاقتصادية بين المواطنين.

 

وبعد سبع محطات لرفع الأسعار في عهد كامل الوزير، لم يعد ممكنا تقديم كل زيادة بوصفها قرارا منفصلا أو استثنائيا، فقد أصبحت الزيادات نمطا متكررا، وكلما ارتفعت تكاليف المرفق أو تضخمت التزاماته كانت يد الحكومة تمتد إلى الراكب أولا.

 

وهكذا يسير قطار الأسعار في اتجاه واحد، من زيادة إلى أخرى، بينما يبقى المواطن محاصرا بين خدمة لا يستطيع الاستغناء عنها وتكلفة تتصاعد بلا توقف، في سياسة يبدو أن أبسط حلولها أن يدفع الفقير أكثر كلما تعثرت حسابات الحكومة.