كشف سياسيون وخبراء مصريون في شهادات وتحليلات عن 4 مسارات داخل مصر وخارجها سبقت انقلاب 3 يوليو، مؤكدين أن الحدث أسقط أول رئيس مدني منتخب، وفتح الطريق لعودة حكم العسكر.
وبالتالي، لم يكن الانقلاب مجرد صراع على كرسي الرئاسة، بل عملية سحق سياسي وإنساني لإرادة شعب خرج من ثورة يناير مطالبًا بالحرية، ثم وجد صوته محاصرًا بين المال الخليجي والدبابة.
قرار إقليمي لا خلاف داخلي
كما أن شهادة أيمن نور تضع الانقلاب خارج حدود الخلاف المصري الداخلي، إذ يقول إن النية كانت مبيتة منذ 11 فبراير 2011، يوم تنحي مبارك، لإجهاض أي مسار مدني ديمقراطي لاحق.
لذلك، يصبح وصول الرئيس محمد مرسي إلى الحكم تفصيلًا داخل مخطط أوسع، لا سببًا وحيدًا للانقلاب، فبحسب نور كان الانقلاب سيقع حتى لو لم يكن مرسي رئيسًا، لكن بتوقيت وذرائع مختلفة.
ومن ثم، لا يجوز اختزال الجريمة في أخطاء عام حكم واحد، لأن الترتيب استهدف فكرة الدولة المدنية نفسها، وحاصر كل احتمال لانتقال السلطة من قبضة المؤسسة العسكرية إلى صندوق انتخاب حقيقي.
غير أن أخطر ما في شهادة نور أنه وصف قرار 3 يوليو بأنه لم يكن مصريًا، بل إقليمي في معظمه ودولي في بعضه، بما يكشف حدود السيادة داخل لحظة الانقلاب.
علاوة على ذلك، ذهب نور إلى أن القرار بدا سعوديًا بتنفيذ إماراتي، بينما ظل الموقف الدولي ملتبسًا، وهي صيغة تشرح كيف تحولت القاهرة إلى ساحة تسوية بين عواصم خائفة من الديمقراطية.
بناءً على ذلك، لم تكن الإمارات مجرد مؤيد خارجي، بل لاعبًا مباشرًا في الإعلام والسياسة، من خلال شراء الولاءات وتغذية الاستقطاب وتحويل الخلاف الطبيعي بعد الثورة إلى معركة كسر كاملة.
وفي السياق ذاته، يقرأ سيف الدين عبد الفتاح الانقلاب بوصفه كسرًا لإرادة الأمة، لا تصحيحًا لمسار سياسي، لأن الدولة العميقة لم تقبل أن تصبح الشرعية الشعبية مصدر الحكم الفعلي.
صناعة الفوضى وشراء المجال العام
كذلك، تكشف مرحلة ديسمبر 2012 ويناير 2013 عن تسارع مظاهر الترتيب، حيث تحركت أطراف داخلية وخارجية لإرباك الرئاسة، وتضخيم الشقاق، ودفع المجال العام نحو لحظة انفجار مصطنعة.
لزيادة وضوح المشهد، تحدث نور عن دعوة السيسي له في 11 ديسمبر 2012 باعتبارها جس نبض مبكرًا لتنفيذ الانقلاب، لا لقاءً سياسيًا بريئًا مع رئيس حزب معارض.
ومن ناحية أخرى، لم تكن القوى المدنية وحدها صاحبة القرار في رفض الحوار، فقد أشار نور إلى ارتباطات تمت مع المؤسسة العسكرية وجهات أخرى، جعلت الشراكة الوطنية مستحيلة عمليًا قبل الانقلاب.
ثم إن حمزة زوبع يرى أن دخول الجيش إلى السياسة بعد 3 يوليو لم ينقذ الدولة، بل أضعفها، وحوّل المؤسسة العسكرية من حماية الحدود إلى إدارة الداخل وتصفية خصوم الحكم.
كما أن قطب العربي يربط مسار الانقلاب بتجريف الإعلام وتفكيك المجال العام، حيث لم تكن الدعاية مجرد صوت مؤيد، بل أداة تعبئة منظمة لتجريم الرئيس المنتخب وتجهيز الرأي العام للعزل.
غير أن تحميل مرسي وحده مسؤولية غياب الشراكة الوطنية يزور الصورة، لأن القوى الإسلامية أخطأت في بناء الجسور، لكن القوى المدنية والدولة العميقة رفضت أصل الشراكة حين صارت السلطة منتخبة.
ولهذا، تبدو مقولة نور عن أن مرسي كان أكثر جدية في النصف الثاني من حكمه مهمة، لأنها تكشف أن أبواب الحوار لم تغلق فقط من الرئاسة، بل أغلقت عمدًا من خصومها.
وفوق ذلك، لم تكن البلاد على حافة حرب أهلية كما روجت ماكينة الانقلاب، بل كانت هناك أطراف تشعل النيران في كل محطة، من بقايا مبارك إلى الأجهزة المرتبطة بالدولة العميقة.
السيسي أداة المخطط لا صانعه الوحيد
في المقابل، لا تضع هذه القراءة السيسي خارج المسؤولية، لكنها تمنعه من احتكار الجريمة وحده، فقد كان أداة وشريكًا في تنفيذ مخطط إقليمي داخلي أوسع ضد ثورة يناير.
ومن هنا، تصبح عبارة نور عن أن محمد السيسي أو أي سيسي آخر كان سيتدخل لو لم يتدخل عبد الفتاح السيسي، توصيفًا لطبيعة الدور المطلوب لا لشخص منفرد فقط.
كما أن سيف الدين عبد الفتاح ينبه إلى أن الانقلاب لم يستهدف جماعة أو رئيسًا فقط، بل استهدف المعنى السياسي لثورة يناير، أي قدرة المجتمع على مراقبة السلطة ومحاسبتها وتغييرها.
إضافة إلى ذلك، يضع حمزة زوبع 3 يوليو ضمن مسار أوسع من عسكرة الدولة، حيث ابتلع الحكم العسكري السياسة والاقتصاد والإعلام، ثم قدم الفشل المتراكم باعتباره ثمنًا ضروريًا للاستقرار.
ومن زاوية أخرى، يرى قطب العربي أن المال السياسي والإعلام الممول أديا دور الذراع الناعمة للانقلاب، قبل أن تتقدم الدبابة لإعلان ما جرى تحضيره في الشاشات والغرف المغلقة.
وعليه، لم يكن مشهد بيان 3 يوليو خاتمة أزمة عابرة، بل لحظة إعلان انتصار تحالف الثورة المضادة، الذي جمع الدولة العميقة والمال الخليجي والإعلام المأجور تحت غطاء إنقاذ مزيف.
لذلك، فإن الحديث عن قرار سعودي وتنفيذ إماراتي لا يعفي الفاعلين المصريين، بل يفضح كيف باع هؤلاء القرار الوطني، وحولوا الخلاف السياسي إلى بوابة لإعادة مصر إلى حكم الثكنة.
وبالنتيجة، دفع المصريون ثمن هذا التحالف من حرياتهم وأرزاقهم ومستقبلهم، إذ انتهت وعود الإنقاذ إلى سجون أوسع، وفقر أعمق، وسياسة مغلقة، ودولة تخاف من ذكرى رئيس منتخب.
هكذا، تكشف شهادات نور وقراءات سيف الدين عبد الفتاح وحمزة زوبع وقطب العربي أن انقلاب 3 يوليو لم يكن غضب شارع، بل عملية إقليمية منظمة ضد الديمقراطية المصرية الوليدة.
وفي النهاية، يبقى مغزى 3 يوليو واضحًا: لم يسقط مرسي وحده، بل أسقطت معه محاولة المصريين الأولى لحكم مدني منتخب، ثم جرى تسليم البلد لتحالف العسكر والمال الخليجي.

