وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
كان الأفضل لأهل السلطة في مصر أن يتركوا يوم ذكرى 30 يونيو (2012) يمرّ من دون إمعان في استفزاز ذاكرة الناس ودفعهم إلى استدعاء وقائع 13 عامًا مليئة بالدم والظلم والعسف وتكميم الأفواه وتعبئة السجون والمُعتقلات، فضلًا عن التردّي في الحالة المعيشية والتقزّم السياسي والتضخّم في الديون. كان حريًّا بهم أن يحتفلوا بانقلابهم العسكري الذي ألبسوه ثوب ثورة مضادّة، صنعوها في ورشتهم وتعهدوها برعايتهم من دون ضخّ مزيد من الأكاذيب والأوهام التي لا تصمد أمام ما يراه المواطن العادي في نضاله اليومي من أجل، فقط، الاستمرار على قيد الحياة. لكنّهم، من حيث أرادوا تسويق سردية أنها "الثورة" التي أنقذت مصر والمنطقة من الضياع، جعلوا الجمهور يستدعي ما كان قبلها، وما هو قائم بعد 13 عامًا منها، حيث تنطق صورة الواقع الراهن بأنّ المنطقة العربية لم تكن على هذه الحالة من الضياع والتصاغر كما هي الآن، وتكفي نظرة على تمدّد نطاق التبعية للإدارة الأميركية والاستعلاء الصهيوني، وعلى الواقع الجغرافي في فلسطين ولبنان وسورية، ليدرك متلقّي رواية الثورة الزائفة أنّها كانت مُفتَتحًا لسقوط شامل على مستوى الإقليم.
كان باعثًا على الدهشة أنّ احتفال السلطة بذكرى ما جرى اعتمد بالكلية على استدعاء كلّ الخصوم والأعداء الكارهين لثورة يناير 2011، وكلّهم تقريبًا من مومياوات زمن حسني مبارك الإعلامية، الذين أثاروا سخرية الناس من هذا التدني في مستوى صناعة الكذب.
أحدهم، أسامة سرايا؛ رئيس تحرير "الأهرام" في زمن خريف مبارك الأب، وصعود مبارك الابن، جاء برواية جديدة كليًّا هذه المرّة، حين قطع بأنّ ثورة 25 يناير كانت ثورة الإخوان المسلمين، وسرد حكايات مُثيرة للضحك، هو نفسه ذكر أنّ رئيس وزراء مبارك سخر منه حينما ردّدها على مسامعه، أنّ الحراك الشعبي قبل عام 2011 كان بروفة إخوانية للثورة الكبرى على نظام مبارك. وهذه في ظني تُعدّ أكبر مكافأة غير متوقّعة حصل عليها "الإخوان" بشأن وجودهم في ثورة يناير، إذ كانوا متّهمين طوال الوقت بأنّهم دخلاء على الثورة، امتطوا أمواجها حين بان أنّها في طريقها للنجاح. فضلًا بالطبع عن اجترار الأكاذيب مُنتهية الصلاحية عن إدارة أوباما وهواها الإخواني.
كان مُسلّيًًا للغاية أن جعل المشاهدين يتذكّرون نكتة "صحيفة الأهرام التعبيرية" التي كان بطلها أسامة سرايا حين زوّر صورةً رسميةً من البيت الأبيض جعل حسني مبارك فيها يتقدّم على السجادة الحمراء وخلفه، مثل مجموعة من التلاميذ أو صغار الموظفين، أوباما ونتنياهو وملك الأردن ومحمود عبّاس، وهي جريمة مهنية وأخلاقية واضحة برّرها مُجدّدًا بأنّه تصرّف تعبيري لبيان قوّة الدور المصري.
وعلى ذكر الأكاذيب المُدلّلة بأسماء لطيفة مثل "تعبيرية"، وفي لقاء آخر ظهر شيخ تجاوز السبعين من المُفترض أنّه من أشهر المُحقّقين الصحافيين في مصر، كرم جبر الذي خلف الراحل مكرم محمد أحمد في رئاسة المجلس الأعلى لإعلام نظام 30 يونيو، وفي يده ورقة مزخرفة معلنًا أنّه جاء بوثيقة تاريخية، هي خطاب من رئيس أحد الأحزاب الإسلامية طارق الزمر إلى الرئيس السابق محمد مرسي يطلب منه أن يطلقهم على المعارضين لرئاسته قتلًا وتنكيلًا وسفكًا للدماء، هكذا مرّة واحدة في "وثيقة رسمية". وهذه، مع الأسف الشديد، نكتة مهنية لا تقلّ "تعبيريةً" عن تعبيريّة أهرام أسامة سرايا، ذلك أنّ أيّ صحافي تحقيقات مُبتدئ لا يمكنه أن يتحدّث عن وثيقة تاريخية من دون أن يكشف تاريخها، والجهة التي عثرت على هذه الوثيقة المهمّة، ثم يحقّق في كونها وثيقة حقيقية أم لعبة أطفال، ثم يعرض صورتها كاملة على المشاهد والقارئ، ثم يقول متى حصل عليها ولماذا بعد أكثر من 13 عامًا من سياقها التاريخي والسياسي قرّر أن يظهرها الآن. ولأنّنا لما نبرح بعد لحظة العبث السياسي والتلفيق التاريخي، فإنّ هذه الأسئلة وغيرها تعدّ عبثًا أشد، فالواقع كلّه مؤسّس على كذبة هائلة، ومن يعترض عليه أو يناقشه قد يجد نفسه متهمًا بالتآمر والخيانة.
ولكي تكتمل دائرة العبث فقد جاءوا بـ25 تعبيريًّا لتعبئة كتاب تذكاري على عجل، وضعوا له عنوان "رجل الأقدار" وكأنّهم يتعمّدون إثارة سخرية الناس من الحكاية كلها، فيتحوّل الأمر إلى نكتة باستدعاء عناوين مقابلة مثل رواية نجيب محفوظ "عبث الأقدار"، أو كما علّق صديق مقترحًا "عبط الأنفار"، للتعبير بدقّة عن ذلك المحتوى الركيك الراقد بين غلافين فاخرين.

