كشفت تحذيرات الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ والنظم الخبيرة بمركز البحوث الزراعية، اليوم الأربعاء 1 يوليو 2026، عن موجة حر ورطوبة تضرب معظم أنحاء مصر، وترفع درجات الحرارة إلى 37 في القاهرة الكبرى و40 في جنوب الصعيد، بما يزيد خطر الآفات الزراعية على المحاصيل الصيفية.


وتأتي هذه التحذيرات في وقت يدفع فيه الفلاحون كلفة مناخ قاس وسياسات زراعية لا توفر حماية كافية من موجات الحر أو ارتفاع مستلزمات الإنتاج، حيث تتحول الحرارة من خبر يومي في نشرات الطقس إلى تهديد مباشر للغذاء والدخل الريفي، بينما تكتفي الحكومة غالبا بإرشادات موسمية لا تعالج أصل الأزمة.

 


حرارة مرتفعة ورطوبة تضاعف الإحساس بالخطر


وأوضح فهيم أن المناطق الشمالية تسجل نحو 32 درجة، بينما ترتفع الحرارة في القاهرة الكبرى إلى 37 درجة، وتصل في جنوب الصعيد إلى 40 درجة، مع رطوبة تزيد الإحساس الفعلي بالحرارة بمقدار يتراوح بين درجتين و3 درجات، وهو فارق لا يبدو رقميا فقط لكنه يضغط على الإنسان والنبات معا.


كما أشار رئيس مركز معلومات تغير المناخ إلى نشاط رياح قوي في مصر الوسطى وخليج السويس والوادي الجديد، وتشمل التحذيرات أسيوط وسوهاج والواحات والعوينات ورأس غارب والغردقة والطور، بما يفرض حذرا أكبر في المناطق المكشوفة التي تتعرض للجفاف السريع وتطاير الأتربة وزيادة إجهاد الزراعات.


وبحسب أستاذ الموارد المائية والأراضي في كلية الزراعة بجامعة القاهرة الدكتور نادر نور الدين، فإن إدارة المياه تمثل خط الدفاع الأول أمام موجات الحر، لأن ارتفاع الحرارة يرفع فقد المياه من التربة والنبات، ويجعل أي خلل في الري أو توقيته سببا مباشرا في تراجع النمو والإنتاج.


لذلك لا تبدو دعوة الإكثار من شرب المياه وتجنب الشمس خلال ساعات الذروة كافية في القطاع الزراعي، لأن النبات لا يملك رفاهية الابتعاد عن الشمس، ويحتاج إلى إدارة دقيقة للري والتسميد والتظليل الجزئي عند الضرورة، بينما يحتاج المزارع إلى دعم فني ومادي لا إلى نصائح عامة.

 


الآفات تنتعش حين يغيب الإرشاد الزراعي


وحذر فهيم من أن الأجواء الحارة والرطبة تهيئ بيئة مناسبة لزيادة نشاط آفات عنيدة، على رأسها الجاسيد والتربس والحشرات القشرية والبق الدقيقي، وهذه الآفات لا تضر الأوراق فقط، لكنها تضعف النبات وتمتص العصارة وتنقل بعض المسببات المرضية وتفرض على الفلاح كلفة مكافحة إضافية.


في السياق نفسه، يؤكد عميد كلية الزراعة بجامعة عين شمس السابق الدكتور أحمد جلال أن تغير المناخ يغير خرائط الآفات والأمراض، ولا يقتصر أثره على ارتفاع الحرارة، بل يمتد إلى اضطراب الرطوبة ومواعيد الأمطار وموجات الحر، وهو ما يجعل برامج المكافحة التقليدية أقل قدرة على المواكبة.


ومن هنا تصبح متابعة المحاصيل واجبا يوميا لا إجراء موسميا، لأن الجاسيد والتربس والبق الدقيقي تتكاثر بسرعة في الظروف المناسبة، وتنتقل من إصابة محدودة إلى بؤر واسعة خلال أيام، بينما يؤدي تأخر الرش أو سوء اختيار المبيد إلى زيادة المقاومة وخسارة جزء من الإنتاج.


غير أن المشكلة لا تقف عند حدود الحشرة أو المبيد، لأن غياب الإرشاد الحقلي الفعال يترك الفلاح وحيدا أمام سوق مبيدات مرتفع السعر ومتفاوت الجودة، ويجعل القرار الفني رهينة لتاجر أو تجربة جار، بينما يفترض أن توفر الدولة إنذارا مبكرا وخريطة إصابات ومتابعة ميدانية حقيقية.

 


فلاحون يدفعون فاتورة مناخ وسياسات زراعية مرتبكة


وأكد فهيم أن الخطورة لا تبدأ من رقم الحرارة وحده، بل من اجتماع قوة الإشعاع الشمسي وسرعة فقد المياه ودخول النباتات في حالة إجهاد واستمرار الموجة الحارة لعدة أيام، وهي معادلة تجعل المحاصيل الصيفية أكثر حساسية لأي تأخير في الري أو زيادة خاطئة في التسميد.


وبالتوازي، يرى نقيب الفلاحين حسين أبو صدام أن ارتفاع تكاليف الزراعة يضاعف أثر الموجات المناخية على المنتجين، لأن الفلاح لا يواجه الحرارة وحدها، بل يواجه أيضا أسعار الأسمدة والمبيدات والعمالة والوقود، وكل زيادة في مكافحة الآفات تتحول مباشرة إلى عبء على سعر المحصول وربحية المزارع.


ثم تتسع الأزمة عندما تؤدي الحرارة والرطوبة إلى تراجع الإنتاج أو زيادة تكاليف الحماية، لأن السوق ينقل هذه الكلفة إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى، بينما لا يحصل الفلاح غالبا على هامش ربح عادل، فتتراكم الخسارة بين أرض مجهدة ومستهلك عاجز وحكومة تبيع الأزمة كأنها قدر مناخي.


ويزيد الإشعاع الشمسي والطاقة الحرارية خلال الأيام المقبلة احتياجات الإنسان والنبات للمياه، وفقا لتحذيرات فهيم، كما يرفع الضغط الفسيولوجي على المحاصيل، وهو ضغط قد ينعكس على معدلات النمو والتزهير والعقد والإنتاج إذا لم تتدخل الجهات المختصة بإرشادات عملية وجدولة ري واضحة للمناطق المتضررة.

 

لذلك تبدو الموجة الحالية اختبارا سياسيا وإداريا قبل أن تكون اختبارا مناخيا، لأن الحكومة التي تتحدث عن الأمن الغذائي مطالبة بحماية المنتجين الصغار من خسائر الصيف، لا بتركهم تحت رحمة الحرارة والرطوبة والآفات والسوق، ثم التعامل مع ارتفاع الأسعار كأزمة منفصلة عن أسبابها.


وفي النهاية، لا يكشف تحذير مركز المناخ عن صيف ساخن فقط، بل يكشف عن قطاع زراعي يعمل تحت ضغط متكرر بلا شبكة أمان كافية، حيث يحتاج الفلاح إلى إنذار مبكر ودعم مبيدات آمن وإرشاد ميداني وتمويل عادل، قبل أن تتحول كل موجة حر إلى خسارة جديدة في الحقل والسوق.