استقبل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر، في واشنطن، في خطوة تعكس تصاعد الحراك الدبلوماسي الأمريكي حول الملف الليبي، ومحاولة إدارة الرئيس دونالد ترمب دفع مراكز القوى الفعلية في الشرق والغرب نحو صفقة سياسية جديدة، تقوم على توحيد الحد الأدنى من المؤسسات، وترتيب معادلة حكم تجمع بين معسكري عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر.
ويأتي اللقاء بعد تحركات أمريكية موازية شملت التواصل مع ممثلين عن معسكر طرابلس، بينها لقاءات مع عبد السلام الزوبي، بما يكشف ملامح خطة يقودها المبعوث الأمريكي مسعد بولس لإنتاج صيغة تقاسم سلطة قد تنتهي، إذا اكتمل التوافق، إلى اتفاق سياسي في واشنطن. غير أن هذه الخطة، رغم تقديمها بوصفها مخرجًا من الانقسام، تثير مخاوف واسعة من أن تمنح شرعية جديدة للشبكات المسلحة والعائلية التي حكمت المشهد الليبي منذ سنوات. وقد أكدت الخارجية الأمريكية أن روبيو وصدام حفتر بحثا جهودًا “ليبية القيادة” لتوحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
صدام حفتر في واشنطن.. اعتراف أمريكي بمراكز القوة
لا يمكن قراءة استقبال ماركو روبيو لصدام حفتر باعتباره لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، فهو يحمل دلالة سياسية واضحة على أن واشنطن باتت تتعامل مع صدام باعتباره أحد مفاتيح المرحلة المقبلة في ليبيا، لا مجرد نائب قائد عسكري في الشرق. فالرجل، الذي يُنظر إليه باعتباره الوريث السياسي والعسكري الأبرز لوالده خليفة حفتر، يتحول تدريجيًا إلى واجهة تفاوضية في أي ترتيب قادم.
اللقاء جاء في توقيت شديد الحساسية، بعد سنوات من الانقسام بين سلطتين ومؤسسات متوازية، وبعد فشل متكرر في فرض مسار انتخابي قادر على إنهاء الأزمة. ومن هنا تبدو واشنطن وكأنها انتقلت من خطاب الانتخابات والمؤسسات الشرعية إلى خطاب الواقعية السياسية، أي التفاهم مع القوى التي تمسك فعليًا بالأرض والسلاح والمال والنفوذ.
هذه الواقعية الأمريكية لا تخلو من مخاطر؛ فهي قد تنتج تسوية سريعة على الورق، لكنها قد تتجاهل جوهر الأزمة الليبية المتمثل في غياب الشرعية الشعبية واستمرار نفوذ التشكيلات المسلحة والعائلات السياسية. فالمشكلة ليست فقط في تعدد الحكومات، بل في أن هذه الحكومات نفسها تعتمد على شبكات قوة لا تخضع بالكامل لمؤسسات الدولة.
كما أن استقبال صدام حفتر على هذا المستوى يمنحه وزنًا سياسيًا إضافيًا داخليًا وخارجيًا، ويفتح الباب أمام تثبيت موقعه في أي بنية حكم موحدة. وهذا ما يجعل اللقاء أقرب إلى رسالة أمريكية بأن واشنطن مستعدة للتعامل مع الجيل الجديد من عائلة حفتر، إذا كان ذلك يخدم هدفها في توحيد المؤسسات وضمان الاستقرار.
في المقابل، لا تبدو واشنطن حريصة على تقديم خطتها باعتبارها فرضًا مباشرًا. فالمبعوث الأمريكي مسعد بولس يؤكد أن تفاصيل السلطة المقبلة يقررها الليبيون، وأن الدور الأمريكي يتمثل في تسهيل التوافق. لكن طبيعة اللقاءات، ومكانها، ومستوى الحضور السياسي فيها، تجعل من الصعب فصل المبادرة عن ضغط أمريكي واضح لإنتاج صفقة قابلة للتسويق دوليًا.
صفقة تقاسم السلطة.. الدبيبة في الغرب وصعود حفتر في المركز
تقوم ملامح الخطة الأمريكية، بحسب ما يتداول في الأوساط السياسية والإعلامية، على صيغة تقاسم سلطة بين معسكري الدبيبة وحفتر. فعبد الحميد الدبيبة يبقى ممسكًا بمركز النفوذ في الغرب، بينما يصعد صدام حفتر إلى موقع تنفيذي رفيع داخل بنية حكم موحدة، بما يمنح الشرق نصيبًا مباشرًا في السلطة المركزية.
هذه الصيغة تعكس محاولة لتجاوز الصراع بين طرابلس وبنغازي عبر ترتيب مصالح الكبار، لا عبر إنتاج عقد سياسي جديد يشارك فيه الليبيون على أساس انتخابي ودستوري واضح. وبذلك، قد تتحول “الوحدة” المقترحة إلى توزيع منظم للنفوذ بين المتحكمين في المشهد، بدل أن تكون بداية حقيقية لبناء دولة موحدة.
وتستند واشنطن في دفع هذه الخطة إلى أن البلاد لم تعد تحتمل استمرار الانقسام المؤسسي، وأن توحيد الحكومة والميزانية والمؤسسات الاقتصادية والأمنية قد يكون مدخلًا عمليًا للاستقرار. وقد تحدثت تقارير عن أن مبادرة بولس تهدف إلى جمع المؤسسات الليبية تحت سلطة واحدة، مع تشجيع الاستثمار الأمريكي في قطاع الطاقة.
لكن الأزمة أن هذه الصفقة، إذا تمت بعيدًا عن الانتخابات، ستمنح اللاعبين الحاليين فرصة إضافية للبقاء في السلطة، وربما تعطل أي مسار يفتح الباب أمام قيادات جديدة أو رقابة شعبية حقيقية. فالدبيبة سيحافظ على موقعه في الغرب، وصدام حفتر سيحصل على شرعية سياسية أوسع، بينما يبقى المواطن الليبي متفرجًا على إعادة تدوير مراكز النفوذ.
ولا يمكن تجاهل أن الخطة تواجه شكوكًا حتى قبل ولادتها. فليبيا شهدت خلال السنوات الماضية مبادرات عديدة رفعت شعار التوحيد والاستقرار، لكنها انتهت إلى إعادة إنتاج الانقسام أو تثبيت أمر واقع جديد. لذلك، فإن أي اتفاق يوقع في واشنطن لن يكون كافيًا بذاته ما لم يرتبط بضمانات واضحة، وجدول زمني سياسي، ومسار انتخابي لا يتحول إلى وعد مؤجل.
النفط أولًا.. الاستقرار أم تكريس نفوذ العائلات؟
ويرى خبراء أن الرهان الأمريكي في ليبيا لا ينفصل عن النفط والطاقة والاستثمار. فالبلاد تملك موقعًا استراتيجيًا وثروة نفطية ضخمة، وأي استقرار نسبي فيها يفتح شهية الشركات الدولية، خصوصًا الأمريكية، للدخول في عقود كبرى مع قطاع الطاقة الليبي. ومن هنا يبدو المنطق الحاكم للمبادرة: اقتصاد أولًا، ثم سياسة لاحقًا.
وقد أقرت ليبيا أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، كما شهدت تحركات باتجاه اتفاقات مع شركات طاقة دولية، من بينها كونوكو فيليبس وشيفرون، وهي مؤشرات تفسر اهتمام واشنطن بتوحيد الحد الأدنى من المؤسسات المالية والاقتصادية. فالاستثمار يحتاج إلى سلطة قابلة للتعامل معها، حتى لو لم تكن هذه السلطة ناتجة عن انتخابات شاملة.
غير أن هذا المنطق يحمل تناقضه في داخله. فالاستقرار الذي يقوم على صفقة بين مراكز القوة قد يكون أسرع من الانتخابات، لكنه قد يكون أيضًا أضعف وأخطر. إذ يمكنه أن يهدئ الصراع مؤقتًا، لكنه لا يعالج الأسباب التي أنتجته: السلاح خارج الدولة، والانقسام المناطقي، والفساد، وغياب الثقة، وتضخم نفوذ العائلات السياسية والعسكرية.
ومن هنا تأتي المخاوف في واشنطن وخارجها من أن تتحول الخطة إلى اتفاق قصير الأجل يرضي أصحاب النفوذ، لكنه يغلق الباب أمام بناء مؤسسات شرعية. فبدل أن تكون الصفقة جسرًا إلى الانتخابات، قد تصبح بديلًا عنها. وبدل أن تنهي الانقسام، قد تعيد ترتيبه داخل حكومة موحدة شكليًا ومقسمة فعليًا بين شبكات المصالح.
كما أن صعود صدام حفتر في أي منصب تنفيذي سيعزز فكرة توريث النفوذ داخل المعسكر الشرقي، في مقابل استمرار الدبيبة في الغرب، وهو ما يجعل الاتفاق أقرب إلى تسوية عائلية سياسية منه إلى مشروع وطني جامع. وهذا تحديدًا ما يثير قلق القوى الليبية التي ترى أن الأزمة لا تُحل بمكافأة من صنعوا الانقسام أو استفادوا منه.
في المحصلة، تبدو واشنطن أمام اختبار صعب في ليبيا. فهي تريد اتفاقًا سريعًا يفتح باب الاستثمار ويمنع الانفجار، لكنها تخاطر بإنتاج سلطة مشوهة تعيش على التوازن بين السلاح والمال والعائلات. وبين لقاء روبيو بصدام حفتر، وتحركات بولس مع معسكر طرابلس، يبقى السؤال الحقيقي: هل تصنع أمريكا مخرجًا للأزمة الليبية، أم تمنح الانقسام وجهًا جديدًا أكثر تنظيمًا؟

