حذر سكرتير شعبة النقل الدولي بغرفة القاهرة التجارية في القاهرة من قفزة أسعار الشحن بين 30 و40% بسبب النزاع بين واشنطن وطهران، مؤكدا أن التهدئة قد تخفض التكلفة تدريجيا على واردات مصر وأسعار المستهلكين.
وبالتالي، لا تبدو أزمة الشحن مجرد بند تجاري عابر، بل وجه اقتصادي مباشر لسياسة إقليمية يدفع ثمنها المواطن الضعيف، بينما تتحول الممرات البحرية إلى رهائن للصواريخ والابتزاز والتأمين المرتفع والجوع المؤجل.
غير أن التهدئة المعلنة لا تعني عودة فورية إلى الأسعار القديمة، لأن شركات الشحن والتأمين لا تخفض علاواتها بمجرد صدور بيان سياسي، بل تنتظر حركة السفن، وضمانات الأمن، وهدوء المضائق، وثبات المسارات.
كما أن ارتفاع تكلفة النقل البحري لا يبقى داخل دفاتر المستوردين، بل ينتقل إلى أسعار الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، في بلد أنهكته موجات تضخم متلاحقة، وتركه ضعف الرقابة مكشوفا أمام كل زيادة عالمية.
أزمة شحن تكشف هشاشة السوق
لذلك، جاءت تصريحات الدكتور عمرو السمدوني كإنذار اقتصادي لا كمجرد قراءة قطاعية، إذ ربط بين التوتر العسكري وارتفاع الشحن والتأمين وعلاوات المخاطر، مؤكدا أن الأسواق تحتاج وقتا لاستعادة الثقة والاستقرار. .
ومن ثم، فإن الحديث عن انخفاض قريب في أسعار السلع يحتاج حذرا شديدا، لأن المستهلك المصري اعتاد أن ترتفع الأسعار بسرعة الصاروخ، ثم تهبط ببطء شديد، أو لا تهبط أصلا تحت ذرائع المخزون القديم والدولار.
إضافة إلى ذلك، أظهرت مؤشرات دروري أن مؤشر الحاويات العالمي وصل في 25 يونيو إلى 4166 دولارا للحاوية 40 قدما بعد ارتفاع أسبوعي 5%، ما يؤكد أن السوق ما زال حساسا أمام أي اضطراب. .
في المقابل، لا يمكن عزل هذه القفزات عن ضعف السياسات المحلية في حماية المستورد الصغير والمستهلك النهائي، فغياب الشفافية في تسعير السلع يسمح بتحويل كل أزمة خارجية إلى موسم ربح داخلي بلا حساب.
وعليه، فإن الحكومة التي تطالب الناس بالصبر مطالبة أولا بكشف أثر الشحن والتأمين على كل سلعة أساسية، بدلا من ترك الأسواق تتحرك بمنطق الغابة، حيث يدفع الفقير ضريبة الحرب والسلام معا.
كذلك، يظل موقع مصر بين البحر الأحمر وقناة السويس سلاحا ذا حدين، فهو يمنحها أهمية لوجستية كبرى، لكنه يجعلها شديدة التأثر بأي اضطراب في الممرات البحرية الممتدة من الخليج حتى المتوسط.
بين هرمز والبحر الأحمر
في هذا السياق، حذرت أونكتاد من أن اضطرابات مضيق هرمز ترفع تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل والتأمين، بما قد يزيد أسعار الغذاء وضغوط المعيشة على الاقتصادات الأكثر هشاشة. .
بناء على ذلك، فإن مصر ليست متفرجا بعيدا على صراع أمريكي إيراني، بل اقتصاد مستورد للطاقة والقمح ومدخلات الإنتاج، وأي زيادة في كلفة المرور أو التأمين تتحول إلى فاتورة داخل الموانئ والأسواق.
علاوة على ذلك، ربطت ربيكا غرينسبان، الأمينة العامة لأونكتاد، هشاشة التجارة البحرية باتساع المخاطر الجيوسياسية، مشبهة الضغط على الشبكات الحالية بأزمات تاريخية فرضت على العالم إعادة التفكير في مسارات التجارة.
ثم إن رئيس شركة إن واي كيه اليابانية تاكايا سوغا حذر من أن حركة الشحن عبر هرمز قد تظل محدودة لأشهر بسبب مخاطر الألغام وفقدان الثقة الكاملة في الممر البحري. .
ومن ناحية أخرى، تكشف هذه التحذيرات أن التأمين البحري أصبح أداة سياسية بقدر ما هو أداة مالية، فالشركة التي ترفع علاوة المخاطر لا تحسب الوقود فقط، بل تحسب احتمال الانفجار والاحتجاز والعقوبات.
فيما يعني ذلك أن أي تهدئة ناقصة لن تكفي لإعادة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، لأن الملاحة تحتاج يقينا طويل النفس، لا تصريحات متقطعة، ولا تفاهمات قابلة للانهيار مع أول ضربة أو رد عسكري.
وبينما يتحدث المسؤولون عن فرص انخفاض الأسعار، يبقى السؤال الأهم: هل ستنعكس أي وفورات فعلية على المواطن، أم ستتوقف عند حلقات الاستيراد والتوزيع والتجارة، كما حدث في أزمات كثيرة سابقة.
هكذا تتحول الممرات البحرية إلى مرآة لخلل أوسع، حيث تمتلك الدول الكبرى قرار الحرب، وتمتلك شركات التأمين والشحن قرار التكلفة، بينما لا يملك المستهلك في مصر سوى انتظار فاتورة جديدة.
فاتورة السياسة على موائد المصريين
على الجانب الآخر، أكدت وكالة الطاقة الدولية أن اضطرابات الشرق الأوسط ومضيق هرمز تضغط على أسواق الطاقة العالمية، وأن تآكل المخزونات خلال الحرب يزيد حساسية الأسعار أمام أي تطور عسكري جديد. .
ومن هنا، فإن تراجع النفط والشحن لا يكفي وحده لتخفيض الأسعار داخليا، ما لم توجد رقابة حقيقية على سلاسل التسعير، وإفصاح عن تكلفة الاستيراد، ومساءلة للتجار الذين يستوردون الأزمة ولا يستوردون الانخفاض.
بالمقابل، قالت رويترز إن تجدد الهجمات والاتهامات بين واشنطن وطهران بعد اتفاق مؤقت أبقى مضيق هرمز تحت تحذيرات أمنية، ما يوضح هشاشة التهدئة التي تراهن عليها الأسواق. .
إلى جانب ذلك، فإن كلفة التأمين لا ترتبط فقط بالسفينة العابرة، بل تمتد إلى الاعتمادات البنكية، وسعر التمويل، وتوقيت التسليم، ومخاطر التأخير، وهي عناصر تنعكس في النهاية على رف السلعة داخل المتجر.
لزيادة الوضوح، لا يجب بيع التهدئة للناس كأنها علاج فوري للتضخم، فالأسعار في مصر محكومة أيضا بالدولار، والضرائب، والرسوم، وهوامش الربح، وضعف المنافسة، لا بسعر الشحن وحده.
غير أن تقليل تكلفة النقل والتأمين يظل فرصة حقيقية لتخفيف الضغط إذا أحسنت الدولة إدارتها، وربطتها بإجراءات رقابية، وألزمت كبار المستوردين بإعادة التسعير عند تراجع التكلفة، لا عند ارتفاعها فقط.
لذا، فإن المعركة الاقتصادية لا تقع في البحر وحده، بل في الميناء والمخزن والسوق، حيث تتحول الأرقام العالمية إلى حياة يومية: رغيف أغلى، دواء أثقل، وموازنة أسرة تزداد عجزا.
بذلك، تصبح تصريحات السمدوني اختبارا لحقيقة الخطاب الرسمي عن حماية المواطن؛ فإذا انخفضت تكاليف الشحن والطاقة ولم تنخفض الأسعار، فالمشكلة لن تكون في هرمز ولا واشنطن ولا طهران، بل في الداخل.
أخيرا، لا يحتاج المصريون إلى وعود ناعمة عن انفراجة قادمة، بل إلى أرقام منشورة، ومتابعة للأسعار، ومحاسبة للمحتكرين، لأن الحروب الخارجية لا تبرر ترك السوق المحلي ينهب ما تبقى من قدرة الناس.

