أصدرت السلطات اليابانية أوامر بإجلاء أكثر من مليون شخص من مناطق واسعة في غرب وجنوب غرب البلاد، بعد فيضانات عارمة تسببت بها أمطار غزيرة مصاحبة لاقتراب العاصفتين الاستوائيتين “ميكالا” و“هيغوس”، وسط تحذيرات من انهيارات أرضية واضطرابات واسعة في النقل والخدمات.
وتحولت المشاهد القادمة من اليابان إلى إنذار جديد من قسوة الكوارث الطبيعية المتزامنة، إذ لم تكد المدن تواجه السيول والفيضانات حتى ضرب زلزال بقوة 5.6 درجة مناطق وسط البلاد، في مشهد يعيد إلى الواجهة هشاشة الحياة اليومية أمام المناخ العنيف والنشاط الزلزالي المتكرر.
مياه جارفة تغمر المنازل وتدفع السكان إلى الإجلاء
واجتاحت الفيضانات مناطق واسعة في غرب وجنوب غرب اليابان، بعد هطول أمطار غزيرة أدت إلى ارتفاع منسوب المياه في الأنهار والشوارع، ودفع السلطات إلى إصدار أوامر إجلاء احترازية شملت أكثر من مليون شخص في المناطق الأكثر عرضة للخطر.
وأظهرت مشاهد ميدانية في مدينة كيوتو نهر كامو وقد امتلأ بالمياه الموحلة الجارفة، في مؤشر واضح على قوة التدفقات المائية التي صاحبت العواصف، بينما غمرت المياه أكثر من 30 منزلا في منطقتي نارا وهيروشيما.
وسجلت مدينة أوساكا أعلى معدل لهطول الأمطار خلال ساعة واحدة منذ عام 2021، ما يعكس شدة الموجة الجوية التي ضربت البلاد، خصوصا مع تتابع الأمطار وعدم قدرة بعض المناطق على تصريف الكميات الهائلة من المياه.
وأعلنت السلطات إصابة 4 أشخاص، بينهم رجل سقط في مجرى مائي جارف في نارا، فيما تواصل فرق الطوارئ متابعة البلاغات الميدانية والبحث عن أي مناطق معزولة أو منازل محاصرة بالمياه.
وتكمن خطورة هذه الفيضانات في أنها لا تتوقف عند غمر الشوارع والمنازل، بل تمتد إلى تهديد شبكات الكهرباء والطرق والمرافق العامة، إضافة إلى احتمال وقوع انهيارات أرضية في المناطق الجبلية أو القريبة من المنحدرات.
عاصفتان واضطراب واسع في النقل والصناعة
وتسببت العاصفتان الاستوائيتان “ميكالا” و“هيغوس” في اضطرابات واسعة بحركة النقل داخل اليابان، إذ ألغت شركات الطيران أكثر من 100 رحلة من وإلى أوكيناوا وكاغوشيما، مع استمرار التحذيرات من سوء الأحوال الجوية.
ولم تقتصر الاضطرابات على الطيران، إذ جرى تعليق عدد من خطوط القطارات السريعة وإغلاق طرق رئيسية، ما أربك حركة المواطنين والمسافرين، وفرض على السلطات اتخاذ إجراءات احترازية لتقليل المخاطر على الطرق والسكك الحديدية.
وامتد تأثير العواصف إلى القطاع الصناعي، بعدما اضطرت شركة تويوتا إلى تعليق العمل مؤقتا في أحد مصانعها بجزيرة كيوشو جنوب البلاد، في خطوة تعكس حجم التأثير الاقتصادي المباشر للأحوال الجوية العنيفة.
وفي السياق ذاته، ألغى الجيش الياباني أول رحلة مقررة لطائرة “إم في-22 أوسبري” إلى جزيرة مياكو ضمن مناورات مشتركة مع الولايات المتحدة، بسبب استمرار التحذيرات وتدهور الرؤية والمخاوف المرتبطة بحركة الرياح والأمطار.
ورفعت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية مستوى التحذير إلى المستوى الرابع، وهو مستوى طارئ يعكس خطورة الوضع، خصوصا مع تزايد احتمالات الانزلاقات الأرضية والفيضانات المفاجئة في غرب وجنوب غرب البلاد.
ويحذر خبراء الأرصاد من احتمال تفاعل العاصفتين وفق ما يعرف باسم “تأثير فوجيوارا”، وهي ظاهرة تحدث عندما تقترب عاصفتان مداريتان من بعضهما، فتؤثر كل واحدة في مسار الأخرى، ما يجعل التوقعات أكثر تعقيدا.
زلزال يضاعف القلق في بلد يعيش على خط النار
وبالتزامن مع أزمة الفيضانات، ضربت هزة أرضية بقوة 5.6 درجة مقاطعة ياماناشي وسط اليابان والمناطق المجاورة، ما زاد حالة القلق في بلد اعتاد التعامل مع الزلازل لكنه يبقى شديد الحساسية تجاه أي هزة قوية.
ووقع الزلزال في بلدة فوجيكاواجوتشيكو التابعة لمقاطعة ياماناشي، على عمق نحو 20 كيلومترا، عند الساعة العاشرة و28 دقيقة مساء، من دون صدور تحذيرات من أمواج المد العاتية “تسونامي”.
وأعلنت وسائل إعلام يابانية تسجيل 10 إصابات طفيفة، بينما أكدت السلطات عدم رصد أي اضطراب في النشاط البركاني لجبل فوجي، وهو أعلى قمة في اليابان وبركان نشط يخضع لمراقبة مستمرة.
وقال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، مينورو كيهارا، إنه لم يتم رصد أي اضطرابات في منشآت الطاقة النووية، بما في ذلك محطة هاماوكا التابعة لشركة تشوبو للطاقة الكهربائية، وهي نقطة حساسة في أي أزمة زلزالية باليابان.
وتقع اليابان ضمن منطقة “حلقة النار” في المحيط الهادئ، وهي واحدة من أكثر المناطق نشاطا زلزاليا في العالم، بسبب التقاء عدة صفائح تكتونية، ما يجعل البلاد عرضة لآلاف الهزات سنويا.
وتزداد حساسية السلطات اليابانية تجاه الكوارث الطبيعية منذ زلزال وتسونامي عام 2011، الذي تسبب في كارثة محطة فوكوشيما النووية وخلف خسائر بشرية ومادية واسعة، وفرض تطويرا مستمرا لأنظمة الإنذار والبناء المقاوم للطوارئ.
وفي النهاية، تكشف فيضانات اليابان الأخيرة أن الكارثة لم تكن مجرد عاصفة عابرة، بل تداخل خطر بين أمطار استثنائية وعواصف استوائية وزلزال مفاجئ، ما جعل أكثر من مليون شخص أمام اختبار قاس بين الإجلاء والخوف وانتظار ما ستكشفه الساعات المقبلة.

