سلط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على الأهوال التي تعرض لها لاجئون سودانيون أثناء احتجازهم في مصر.

 

ومن بين هؤلاء النذير الصادق الذي لجأ إلى مصر بحثًا عن الأمان من الحرب الأهلية في السودان، لكن الشاب البالغ من العمر 18 عامًا فارق الحياة متأثرًا بالتهاب رئوي بعد قضائه أكثر من ثلاثة أسابيع في سجن مكتظ بالقاهرة، حيث تعرض للضرب والابتزاز على يد سجناء آخرين، وفًقا لما ذكره أصدقاؤه وأقاربه.

 

واحتجز الصادق، وهو طالب في المرحلة الثانوية، في إطار ما يصفه محامون ومنظمات حقوقية بأنه حملة واسعة على اللاجئين، تتناقض بوضوح مع الدور المعلن لمصر كملاذ آمن.

 

وبحسب التقرير، تنفي مصر مزاعم عدم ترحيبها باللاجئين. فقد استقبلت أكثر من مليون شخص عندما اندلعت الحرب في السودان عام 2023، لتكون بمثابة حاجز منع أولئك الذين كانوا سيواصلون طريقهم شمالاً نحو أوروبا. لكن السلطات، في ظل أزمة اقتصادية وتصاعد المشاعر المعادية للاجئين، اتبعت منذ ذلك الحين نهجًا صارمًا بشكل متزايد عبر سلسلة من الاعتقالات وعمليات الترحيل.

 

لكنها أشارت إلى أنه منذ أواخر العام الماضي، احتجز أفراد أمن في ملابس مدنية آلاف اللاجئين والمهاجرين الآخرين من منازلهم وأماكن عملهم، واقتادوهم من الشوارع في سيارات، وذلك بحسب ‌رواية 45 لاجئًا وسبعة محامين وثمانية مدافعين عن حقوق اللاجئين.

 

وكشف التقرير أن البعض غادر مصر وخاطر بالعودة إلى السودان الذي تمزقه الحرب بدلاً من مواجهة الترحيل والانفصال عن عائلاتهم. بينما اختبأ آخرون، في وقت يحذر فيه نشطاء من أن قانونًا دخل حيز التنفيذ في الآونة الأخيرة يهدد بتقويض حماية حق اللجوء بشكل أكبر.

 

ونقلت "رويترز" عن ثلاثة مسؤولين أمنيين طلبوا عدم نشر أسمائهم، إن السلطات رحلت ما يربو على 5500 شخص منذ نوفمبر، وهو رقم ضئيل مقارنة بإجمالي عدد اللاجئين، لكنه يمثل تصعيدًا حادًا مقارنة بحوالي 100 عملية ترحيل رسمية كل عام في 2023 و2024، مستشهدين بأرقام لم يعلن عنها في السابق.

 

ولا تنشر مصر بيانات مفصلة عن الهجرة، فيما قالت رويترز إنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من أرقام الترحيل والاحتجاز في الحملة الحالية.

 

ووثقت "رويترز" ثلاث حالات وفاة للاجئين سودانيين في السجون المصرية المكتظة هذا العام، وهم شاب يبلغ من العمر 30 عامًا توفي بعد 72 ساعة من احتجازه، ورجل مصاب بالسكري يبلغ من العمر 67 عامًا، والطالب الصادق. 

 

وقال اثنان من المسؤولين الأمنيين إن تسعة سودانيين لقوا حتفهم أثناء الاحتجاز، دون الخوض في تفاصيل ظروف الوفاة. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من حالات الوفاة الأخرى.

 

ووصف عشرة محتجزين سابقين في سجون تديرها الشرطة أن اللاجئين ينامون بالتناوب بسبب ضيق المكان، ويتعرضون للضرب وغيره من الانتهاكات، فضلا عن الظروف الصحية المزرية. وروت لاجئة إريترية احتجزت خلال الحملة تعرضها لاعتداء جنسي عنيف من جانب نزيلات أخريات، وتدعم روايتها سجلات طبية من أحد مستشفيات القاهرة.

 

وصف كريم عنارة من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، نطاق الحملة بأنه "لم يسبق له مثيل"، ومخالف لالتزامات مصر، بموجب القانون الدولي، الذي يقيد ترحيل اللاجئين.

 

وقال "لقد انهارت الحماية التي كانت موجودة في مصر لعقود".

 

وذكرت الهيئة العامة للاستعلامات في بيان لرويترز إن الترحيل "يتم عمومًا فقط من خلال إجراءات قانونية واضحة ⁠وضمانات قضائية"، وفقط عندما يثبت أن الشخص قد خالف القانون أو يشكل تهديدًا للأمن القومي. ونفت وجود حملة واسعة النطاق على اللاجئين.

 

وقالت الحكومة المصرية إن الحوادث الفردية لا تعكس سياسة الدولة، مشيرة إلى أن ملايين السودانيين والمهاجرين الآخرين يعيشون ويدرسون ويعملون في مصر ويستفيدون من الخدمات العامة مثل التعليم والرعاية الصحية.

 

وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن مصر كانت في المرتبة الثانية عالميًا من حيث عدد طلبات اللجوء في عام 2025، وقالت الهيئة العامة للاستعلامات في بيان لرويترز إن هذا "يعكس ثقة الباحثين عن الحماية" في البلاد.

 

 العودة لوطن في حالة حرب


وفي محطة حافلات في قلب وسط القاهرة، كانت حسنة، وهي معلمة تبلغ من العمر 40 عامًا، تنتظر مع أطفالها الأربعة ومئات الأشخاص الآخرين للعودة إلى السودان.

 

وقالت حسنة إنها تخشى أن يتم احتجاز ابنيها المراهقين لأنه برغم حصول الأسرة على صفة لاجئ من الأمم المتحدة عند وصولها قبل عامين، فإنها لا تزال تنتظر موعدًا للحصول على الإقامة المصرية. وأوضحت أن أطفال أسرتين في المبنى السكني الذي تقيم فيه بالقاهرة تم احتجازهم وترحيلهم.

 

وقالت حسنة، التي اكتفت بذكر اسمها الأول "انا جاية علشان الأمان إذا ما لقتش الأمان أحسن لي أموت في بلدي ولا ولادي يضيعوا مني".

 

وعبر أكثر من 12 لاجئًا، من بينهم حسنة، عن قلقهم من العودة إلى وضع أمني هش في السودان، حيث تتعرض العاصمة الخرطوم لغارات متكررة بطائرات مسيرة، وتكاد الخدمات الأساسية لا تعمل على الإطلاق، برغم استعادة الجيش السيطرة من قوات الدعم السريع شبه عسكرية العام الماضي، وعودة أعداد كبيرة من السكان إلى هناك بناء على طلب الحكومة السودانية.

 

ويمنح قانون اللجوء الجديد الذي أقرته مصر في عام 2024 اللاجئين الحق في العمل والحصول على التعليم والرعاية الصحية. لكنه أثار انتقادات من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لأنه يمنح المسؤولين سلطة تقديرية واسعة بشأن من يستوفي شروط الحصول على صفة اللاجئ.

 

وقال عنارة إن تطبيق اللوائح التنفيذية التي نشرت هذا الشهر لا يوفر حماية كافية من الإعادة القسرية، أي إعادة اللاجئين قسرا إلى مناطق تتعرض فيها حياتهم أو حريتهم لخطر شديد.

 

وأضاف "الأسباب الموسعة التي ينص عليها القانون لرفض طلبات اللجوء وإلغائها تنطوي على خطر تقنين الحملة الأمنية".

 

وفي بيانها لرويترز، قالت الحكومة المصرية إن القانون "يؤكد احترام كرامة الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسرية" ويضمن للاجئين الحق في عدم التعرض للتمييز أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة.

 

وعبرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن قلقها إزاء عمليات الاعتقال والاحتجاز والترحيل، ‌بما يشمل نساء وأطفالا مسجلين ⁠لدى الأمم المتحدة.

 

وقالت المفوضية ردًا على أسئلة من رويترز "لا ينبغي أن تتم عمليات الإعادة إلى السودان في ظل الظروف الحالية، نظرا للصراع المستمر والوضع الإنساني، اللذين لا يسمحان بعودة آمنة ومستدامة"، مع إقرارها بالضغط الذي فرضته أزمة اللاجئين على الخدمات العامة.

 

وقامت مصر بترحيل مهاجرين سودانيين من قبل، بما في ذلك من خلال إبعاد الآلاف عند الحدود، بحسب مصادر أمنية. وقال عدة لاجئين إن الحملة التي وقعت مؤخرا استهدفت مرارا المراكز السكانية بما في ذلك القاهرة، وشملت أيضا بعض الذين استقروا في مصر قبل سنوات من اندلاع الصراع، وتحدثوا عن مداهمات على المنازل وأماكن العمل.


ويبلغ عدد المسجلين لدى المفوضية في مصر أكثر من 1.1 مليون شخص، معظمهم من السودانيين، إلى جانب السوريين والإريتريين وآخرين. ويتغير العدد مع عودة بعضهم إلى السودان عندما يهدأ القتال في مناطقهم الأصلية، بينما يفر آخرون من المناطق الأكثر خطورة في البلاد، وفقا لما يظهره رصد الأمم المتحدة.

 

وكان الاتحاد الأوروبي تعهد في عام 2024 بتقديم 7.4 مليار يورو لمصر، ويرجع ذلك جزئيا تقديرا لاستقبالها المهاجرين الذين لولا ذلك لربما واصلوا رحلتهم شمالا. ودفعت الحملات السابقة السودانيين وغيرهم من المهاجرين إلى سلوك طرق محفوفة بالمخاطر عبر ليبيا ومن ثم إلى أوروبا.

 

اكتظاظ وضرب وسرقة الطعام


في 18 يناير، توقفت حافلة صغيرة بيضاء فجأة أمام منزل الصادق، حيث كان يقف برفقة ثلاثة من أصدقائه. قفز رجال يرتدون ملابس مدنية من الحافلة وألقوا القبض عليهم جميعًا، حسبما نقلت رويترز عن نادية شقيقة الصادق.

 

كان الصادق قد هرب عبر الحدود من العاصمة السودانية الخرطوم مع عائلته في أكتوبر 2024. واستقروا في مدينة بدر، إحدى ضواحي شرق القاهرة. وقال اثنان ⁠من أفراد العائلة إنه لم يقم بتسوية أوضاعه القانونية في مصر على أمل العودة سريعاً إلى السودان.

 

وقال نبيل سليمان، الذي كان محتجزا مع الصادق، لرويترز إن الصادق كان محتجزًا مع أكثر من 140 سجينًا في زنزانة مساحتها 36 مترًا مربعًا يملؤها دخان السجائر الكثيف، ووقع ضحية لمحتجزين جنائيين سرقوه. وكانوا يكافحون لالتقاط أنفاسهم.

 

وأردف قائلاً "كتمه وأكسجين ما في ومكيف خربان".

 

وقالت نادية إن الصادق قال لأقاربه الذين زاروه إن سجناء آخرين أخذوا الطعام الذي أحضروه.

 

وقال سليمان إنهم كانوا يتناولون فقط وجبات السجن من الخبز والجبن. وكانت المياه تأتي من خرطوم في مبنى المراحيض. وسرق السجناء الملابس، بما في ذلك سترة الصادق، تاركينه يرتجف في ليالي القاهرة الشتوية الباردة.

 

وخلال الزيارة الأخيرة لوالدة الصادق، اشتكى من إصابته بالتهاب في الصدر وطلب دواء، قائلا إنه لم يتم توفير أي دواء في الزنزانة. وفي اليوم التالي، اتصل ضابط شرطة وأبلغ الأسرة بوفاة الصادق.

 

وقالت نادية، نقلاً عن مسؤول قضائي أشرف على القضية، إن مكتب النائب العام سجل سبب الوفاة على أنه التهاب رئوي. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من سبب الوفاة. ولم ⁠ترد الهيئة العامة للاستعلامات على الأسئلة المتعلقة بالصادق.

 

وقال سليمان إنه في اليوم نفسه، تم ترحيله مع الآخرين الذين كانوا محتجزين مع الصادق إلى مدينة وادي حلفا الحدودية السودانية.

 

وفي حديثه لرويترز من مدينة أم درمان، حيث يعيش عاطلاً عن العمل، وصف رحلة مروعة إلى الحدود تحت الحراسة المصرية استغرقت 18 ساعة، وهو مقيد بالسلاسل في يديه ورجليه، دون طعام أو ماء أو نوم. وقال إنه لم يبلغ بأي سبب للترحيل.

 

كانت الحكومة المصرية قالت سابقا إنه من غير المنصف "تعميم وقائع محدودة وتحويلها إلى أحكام شاملة" وأضافت أنها ترفض أي ممارسات تمس حقوق اللاجئين.

 

كابوس داخل مراكز الاحتجاز

 

ووصف تسعة محتجزين سابقين آخرين ظروفا مماثلة، بما في ذلك الاكتظاظ الشديد ونقص الطعام والمياه القذرة والسرقة والضرب على أيدي سجناء آخرين، وسوء المعاملة أو انعدام الحماية من قبل الحراس.

 

وقالوا إن اللاجئين السودانيين وذوي البشرة الداكنة كانوا مستهدفين بشكل خاص من قبل النزلاء.

 

وقال طالب لجوء سوداني يبلغ من العمر 23 عامًا، إنه أمضى ثلاثة أسابيع في مركز للشرطة وإن كل شيء كان ⁠له ثمن بما في ذلك مكان النوم وكان من يرفض الدفع يجبر على الوقوف. وأضاف "هنا بيجيلك هلاوس".

 

وقالت بائعة شاي إريترية في القاهرة، عرضت على رويترز إقامتها المصرية ووضعها كلاجئة مسجلة لدى الأمم المتحدة، إن رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية ألقوا القبض عليها أثناء عملها في أغسطس. وأضافت أن أحدهم مزق تصريح إقامتها. وأوضحت أنها خلال احتجازها في زنزانة الشرطة، تعرضت لاعتداء جنسي من قبل ثلاث سجينات باستخدام زجاجة مياه.

 

وأظهر التقرير الطبي الصادر عن مستشفى مصطفى محمود بالقاهرة بعد الإفراج عنها أنها تلقت علاجًا من نزيف في الرحم. وأكد المستشفى صحة التقرير لكنه رفض التعليق.


وقالت المرأة (40 عامًا) إنها أصبحت الآن خائفة جدًا من مغادرة المنزل، وبما أنها عاطلة عن العمل، فإنها تعيش على الصدقات من جيرانها.


أما أبا ذر يوسف (37 عامًا)، وهو مواطن يحمل الجنسيتين البريطانية والسودانية، فقد كان يزور عائلته في مصر بتأشيرة زيارة عندما احتجز في مداهمة جرت في 25 يناير بوسط القاهرة.


وقال يوسف إنه خلال فترة احتجازه التي استمرت أسبوعين، شاهد مجرمين يعتدون على اللاجئين ويبتزونهم ويسلبونهم أموالهم. وأضاف أن رجال الشرطة كانوا يضربون المحتجزين بانتظام أثناء طوابير العرض الصباحية.


وجرى ترحيله إلى بريطانيا في 14 فبراير. وردًا على سؤال حول قضيته، قالت السفارة البريطانية في القاهرة إنها قدمت المساعدة القنصلية لمواطن بريطاني محتجز، وإنها على اتصال بالسلطات المصرية بشأن هذه القضية.