كشفت تقارير رسمية في محافظة أسيوط عن استكمال إجراءات شطب قصر ميخائيل لوقا الزق، العقار رقم 27 بشارع الجمهورية، من سجلات الآثار، ليصبح المبنى التاريخي مهددا بالهدم بعد حماية قانونية طويلة.
وبالتالي، لا تبدو الواقعة مجرد قرار فني بشأن مبنى متصدع، بل علامة جديدة على دولة تترك التراث حتى ينهار، ثم تقدم الانهيار دليلا جاهزا لتبرير الشطب وفتح الطريق أمام المحو.
كما أن الجدل الذي تفجر بين المهتمين بالتراث والمؤرخين يكشف خوفا أعمق من ضياع ذاكرة الصعيد، حيث تتحول القصور التاريخية من شواهد عمرانية نادرة إلى ملفات إدارية باردة تنتهي بقرار إزالة.
لذلك، فإن شطب القصر المعروف أيضا باسم قصر الكومسيون الطبي لا يخص عائلة أو مالكا بعينه، بل يمس حق المدينة في تاريخها البصري وذاكرتها المعمارية وملامحها التي لا تعوض.
ومن ثم، يصبح السؤال الحقيقي ليس هل كان المبنى خطرا فقط، بل لماذا تُرك حتى وصل إلى هذه المرحلة، ومن المسؤول عن سنوات الإهمال التي جعلت الترميم صعبا والهدم احتمالا قريبا.
قصر من ذاكرة التاريخ إلى قائمة الشطب
غير أن قيمة القصر لا تبدأ من قرار التسجيل ولا تنتهي بقرار الشطب، فقد شيده الخواجة ميخائيل لوقا الزق عام 1914، بوصفه أحد كبار تجار الأقمشة والغلال وأعيان أسيوط.
علاوة على ذلك، حمل المبنى طابعا معماريا متميزا، ارتبط بطراز الباروك المستحدث، وبجدران خارجية منحنية تعكس كلفة إنشائية عالية وذائقة عمرانية مختلفة عن العمارة التقليدية السائدة في قلب الصعيد.
بناء على ذلك، صدر قرار رئيس الوزراء رقم 1226 لسنة 1998 بتسجيل القصر في عداد الآثار الإسلامية والقبطية، تقديرا لقيمته الفنية والتاريخية، قبل أن يبدأ مسار طويل من التدهور.
في المقابل، آلت ملكية العقار لاحقا إلى مطرانية الأقباط الأرثوذكس بأسيوط بموجب عقد شراء من ورثة المالك الأصلي، بينما ظلت اللجان تطالب بترميم معماري شامل ودرء خطورة إنشائية متزايدة.
ثم إن الترميم الذي لم ينفذ بالشكل المطلوب جعل القصر يدخل دائرة الخطر، حيث اجتمعت عوامل الزمن والتعرية والإهمال، حتى تحول المبنى من شاهد على الثراء العمراني إلى عبء هندسي.
كذلك، يذكّر موقف الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان، الداعي إلى تفعيل قانون حماية المباني التراثية وتسجيلها عبر لجان جادة، بأن إنقاذ التراث يبدأ قبل التصدع لا بعده.
وفوق ذلك، فإن ترك مبنى مسجل أثريا حتى يتدهور ثم شطبه بسبب التدهور يخلق دائرة عبثية، تجعل القانون شاهدا متأخرا على الفقد، لا أداة حقيقية لمنع النزيف أو محاسبة التقصير.
الخطر الإنشائي حين يصبح غطاء سياسيا
من ناحية أخرى، تقول التصريحات الرسمية إن اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية ومجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار وافقا على استكمال إجراءات الشطب استنادا إلى تقارير هندسية من كلية الهندسة بجامعة أسيوط.
غير أن الاعتماد على توصيف الخطر الإنشائي لا يجب أن يغلق النقاش، لأن المباني التاريخية لا تُعامل كعقارات عادية، بل تحتاج إلى بدائل إنقاذ وتدعيم وتوثيق قبل رفع الحماية عنها.
إضافة إلى ذلك، فإن القول بصعوبة الترميم بأمان يطرح سؤالا عن توقيت التدخل، فلو جرى التحرك مبكرا وفق توصيات اللجان السابقة، ربما لم يكن المبنى ليصل إلى مرحلة الشطب النهائي.
كما أن الباحثة الأثرية منى حنا طالما ربطت أزمات التراث المصري بالتعديات والتنمية العقارية غير المخططة والترميمات الخاطئة، وهو طرح يضيء خطورة ترك القرار للمنطق الإداري وحده.
لزيادة وضوح الصورة، فإن تقارير الخطر قد تكون صحيحة هندسيا، لكنها لا تبرئ منظومة كاملة سمحت بتراكم الخطر، ثم تعاملت مع النتيجة النهائية كما لو كانت قدرا لا يمكن تفاديه.
لذلك، يخشى المدافعون عن التراث من أن يتحول الشطب إلى سابقة قابلة للتكرار، خاصة حين تتراكم مصالح الأرض والعقار أمام مبان قديمة لا تجد جهة عامة تتبنى إنقاذها.
ومن ثم، فإن حماية الأرواح لا تتناقض مع حماية التراث، بل تفرض تدخلا مبكرا وجادا، يشمل التدعيم والتوثيق وإعادة الاستخدام الثقافي، بدلا من ترك المباني حتى تصبح خطرا مؤكدا.
أسيوط أمام اختبار الذاكرة والمدينة
في السياق نفسه، لا يمكن فصل أزمة قصر ميخائيل لوقا عن موجة أوسع من القلق في مصر بشأن هدم المباني ذات القيمة، حيث تتكرر معادلة التطوير والخطر والقرارات المتأخرة.
كما أن المعمارية جليلة القاضي ترى في قضايا التراث أن الحفاظ على الذاكرة العمرانية مصلحة عامة، وأن المنفعة العامة لا ينبغي أن تستخدم ضد التراث، بل يمكن الجمع بينهما.
وبالتالي، فإن غضب جمعيات حماية التراث والمؤرخين في أسيوط مفهوم، لأنهم يرون في الشطب كارثة جديدة ضمن مسلسل نزيف طويل، لا مجرد إجراء فني يخص مبنى واحدا.
على الجانب الآخر، تحتاج محافظة أسيوط إلى لجنة عليا مستقلة تعيد تقييم القصور والمباني التاريخية المعرضة للخطر، وتعلن للرأي العام حالتها، وخطط إنقاذها، ومسؤوليات الملاك والجهات الحكومية بوضوح.
علاوة على ذلك، فإن القصر كان جزءا من ذاكرة شارع الجمهورية، ومن صورة المدينة في مطلع القرن العشرين، وشطبه يعني إزالة طبقة كاملة من الحكاية العمرانية التي لا تحفظها الصور وحدها.
وبناء على ذلك، يجب أن يسبق أي قرار هدم توثيق معماري ورقمي شامل، ونشر التقارير الفنية، وفتح نقاش عام مع المتخصصين، حتى لا تتحول الذاكرة العامة إلى قرار مغلق.
غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الشفافية غالبا تأتي متأخرة، بعد أن تكون المعدات قد سبقت النقاش، لذلك يصر المهتمون بالتراث على وقف أي خطوة ميدانية حتى انتهاء مراجعة مستقلة.
كما أن تحويل القصر إلى مجرد مبنى خطر يطمس اسمه وسيرته وسياقه، بينما الحقيقة أنه شاهد على تاريخ اجتماعي واقتصادي ومعماري في أسيوط، وعلى حضور عائلات صنعت ملامح المدينة.
وفي النهاية، فإن شطب قصر ميخائيل لوقا ليس نهاية ملف عقار متهالك، بل إنذار صريح بأن تراث الصعيد يضيع بين الإهمال والبيروقراطية والعقار، وأن الذاكرة حين تهدم لا تعود.

