ممدوح الولي
خبير اقتصادي ونقيب الصحفيين سابقًا
من الطبيعي أن يروج كلا من الجانب الأمريكي والإيراني بأن مذكرة التفاهم التي وقعها رئيسا البلدين مؤخرا تحقق مصلحته على حساب الطرف الآخر، خاصة مع وجود اعتراضات داخل البلدين على بنود المذكرة. ففي الولايات المتحدة هناك من يتهمون ترامب بأنه منح إيران تنازلات كثيرة، ويرى بعضهم أنه منحها ما لم يمنحها اتفاق أوباما النووي معها عام 2015 الى جانب الرفض الإسرائيلي واليهودي الأمريكي، وفي إيران هناك من يرون أن الاتفاق خيانة لدماء الشهداء من كبار القادة السياسيين والعسكريين وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي.
والحقيقة أن الإنهاك الذي أصاب الطرفين بعد 111 يوما من الصراع منها 39 يوما من الحرب، هو السبب الرئيس لتوقيع مذكرة التفاهم رغم غياب الثقة بينهما وتباعد المواقف الحقيقية، وحرص كل منهما على الإضرار بمصالح الطرف الآخر، ولولا بطولة كأس العالم الجارية حاليا في الولايات المتحدة والحاجة لأجواء مستقرة لتحقيق المكاسب المادية والمعنوية منها، وكذلك قرب الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر القادم، ما تعجل الرئيس الأمريكي في توقيع المذكرة، وهو الذي يحتاج للتفرغ خلال الفترة المتبقية على تلك الانتخابات للاهتمام بملف التضخم، وتقليل أثر المعارضة التي وجدها بسبب الحرب سواء من النواب الديمقراطيين أو من بعض النواب الجمهوريين، خاصة وأن استمرار الحرب يواجه بنقص في الذخائر وتململ الجنود من البقاء لفترات طويلة في عرض البحر، والحاجة لإعادة بناء القواعد العسكرية الأمريكية المتضررة في دول الخليج والأردن.
أما إيران فتحتاج لهدنة تعيد خلالها ترتيب أوضاعها العسكرية والسياسية والاجتماعية، وتخفيف آثار حدة الحصار البحري على المواطنين من حيث ارتفاع الأسعار ونقص بعض السلع وعلى سوق العمل والتجارة الخارجية.
وبعيدا عن تبني وجهة نظر أي من الطرفين حول المستفيد الأكبر من توقيع مذكرة التفاهم، فإن النصوص تشير إلى تحقيق منافع لكل طرف. فإيران حصلت على رفع الحصار البحري عن موانئها مقابل إعادة فتحها لمضيق هرمز للمرور بلا أية رسوم، كما حصلت على إمكانية تصديرها لنفطها ومنتجاتها البترولية وجميع الخدمات ذات الصلة بما فيها الخدمات المصرفية والتأمين والنقل، مقابل تأكيدها أنها لن تسعى إلى حيازة أو تطوير أسلحة نووية.
سجل أمريكي تاريخي لنقض العهود
لكن تظل القضية الجوهرية وهي تنفيذ الولايات المتحدة لتعهداتها الواردة بمذكرة التفاهم بينما سجلها التاريخي حافل بنقض العهود، سواء مع إيران بنقض الاتفاق النووي لعام 2015 أو القيام بالهجوم عليها في يونيو 2025 أو بنهاية فبراير 2026 عقب مفاوضات سياسية بينهما، أو مع القضية الفلسطينية في العقود الأخيرة، أو مع غزة بعدم الالتزام بتعهداتها لتطبيق ما تم من بنود اتفاق وقف إطلاق النار في عهد الرئيس بايدن أو في عهد الرئيس ترامب، وما تقرر في قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر الماضي، بينما وصل عدد الشهداء من سكان غزة إلى 1008 شخصا منذ إقرار الاتفاق وحتى كتابة تلك السطور، رغم الإعلان عن مجلس للسلام في غزة برئاسة ترامب في يناير الماضي.
وحتى الحكومة الانتقالية من التكنوقراط التي كان مقررا لها إدارة غزة لم يستطع أفرادها دخول القطاع، وهكذا لم يتم شيء حتى الآن في ملف الإعمار، بل إن اسرائيل تمنع دخول الكرافانات ومواد البناء، وبدلا من بدء القوات الإسرائيلية الانسحاب تدريجيا من القطاع كما ينص الاتفاق، فقد تحولت لاحتلال المزيد من أراضي القطاع.
أما عن التعهدات الأمريكية لوقف إطلاق النار في لبنان فقد تم انتهاكها مرات عديدة، كان آخرها الاتفاق لوقف إطلاق النار ظهر الجمعة الماضي لتواصل إسرائيل عدوانها مساء نفس اليوم.
وليت الأمر قاصر على إسرائيل، فها هي الولايات المتحدة نفسها التي وقع رئيسها مذكرة التفاهم مساء الأربعاء الماضي، قد خالفت بعض نصوصها خلال الأيام التالية، فرغم النص في البند الأول من المذكرة على الامتناع عن التهديد باستخدام القوة، فقد استمر الرئيس الأمريكي ونائبه في تهديد إيران، ورغم النص في البند الأول على الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان، فقد استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وبوتيرة قتل عالية. وعندما يفسر البعض النص على الإنهاء الفورى والدائم للحرب على جميع الجبهات على أنه يشمل غزة، فقد استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على غزة دون أي رد فعل ولو مجرد استهجان من قبل الولايات المتحدة.
ومن هنا تقل درجة الثقة بالمكاسب التي حققتها إيران وفق مذكرة التفاهم، ومنها النص في المذكرة على سيادتها المشتركة مع سلطنة عُمان على مضيق هرمز، والاعتراف بنفوذها القوى بلبنان من خلال النص على وقف الحرب عليها ضمن المذكرة، بل والنص على ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته، وهو ما يعني عمليا الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي احتلتها بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، بينما يصرح المسؤولون الإسرائيليون ببقائهم في لبنان.
ربط المكاسب الإيرانية بالحسم للنووي
ويذكر بعض المحللين أن إيران قد دفعت ترامب للتخلي عن رفضه في البداية تجزئة التفاوض، في ضوء شخصيته التي تتعجل إنجاز الصفقات وإعلان النصر التام، بينما رضخ للعرض الإيراني بتجزئة القضايا وترحيل قضية السلاح النووي لمرحلة أخرى، مما دفع البعض لانتقاد ترامب بعد توقيع مذكرة التفاهم بأن إعادة فتح مضيق هرمز كان مقدما لديه عن قضية السلاح النووي التي دخل الحرب من أجلها.
وهكذا نرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستلعبان نفس اللعبة التي مارساها في كل من غزة ولبنان، حين ربطتا أي تحرك في الملف الغزاوي واللبناني بتسليم سلاح كل من حماس وحزب الله، حيث ستربط الولايات المتحدة تنفيذ ما ورد بمذكرة التفاهم من التعهد بخطة لإعادة الإعمار بإيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وكذلك إتاحة استخدام إيران لأموالها وأصولها المجمدة ورفع العقوبات الأمريكية عليها، بحسم ملف السلاح النووي.
ولأن الملف النووي سيتم بحثه خلال شهرين قابلين للتمديد، فكل تلك الوعود ستؤجل لما بعد حسم الملف النووي، والذي لا تكفي فترة الشهرين لحسمه، خاصة وأن الاتفاق النووي في فيينا عام 2015 قد سبقته مفاوضات استمرت 19 شهرا، بعد الاتفاق المؤقت في نوفمبر 2013 وهو الاتفاق الذي سبقته عشر سنوات من المفاوضات، بالإضافة الى أن الجانب الأمريكي ومن ورائه إسرائيل والدول الغربية ستصر على إدراج الصواريخ الباليستية والمُسيرات ضمن المفاوضات، لضمان أمن إسرائيل التي لن تنسى ما أحدثت بها تلك الصواريخ والمسيرات من أضرار.
ومن المؤكد أن إيران تعرف أكثر من غيرها طبيعة الغدر ونقض العهود الأمريكية ولا تثق في هذه العهود، وهي المسألة التي زادت حدتها مع الرئيس ترامب الذي لا يفي بعهوده مع الحلفاء فما بالنا بتعهداته للخصوم؟ لكنها مضطرة للتهدئة لتضميد جراحها وإعادة بنيتها الأساسية المتضررة، نتيجة القصف الجوي الأمريكي والإسرائيلي لعشرات المدن الإيرانية أيام الحرب الأربعين، ولهذا ستراهن على إطالة فترة التفاوض، على الأقل حتى تظهر نتائج انتخابات الكونغرس النصفية القادمة، ومدى حظوظ الرئيس ترامب بالأغلبية فيه، ومدى تبلور مواقف القوى الرافضة للحرب برلمانيا وشعبيا، ومدى استطاعتها إصلاح ما تضرر من منشآت مدنية وعسكرية، والتجهيز الشامل شعبيا وسياسيا وعسكريا للجولة القادمة من الحرب، التي تتوقع ونتوقع إقدام ترامب عليها بضغوط إسرائيلية، حتى ولو كان ذلك قبيل انتهاء فترة رئاسته بأسابيع.

