كشفت تقديرات اقتصادية عن تراجع حاد للطبقة المتوسطة في مصر بين 2021 و2023، بعدما هبطت الأسر القادرة على إنفاق أكثر من 5000 دولار سنوياً من 39% إلى 12%، فكانت النتيجة اتساع الفقر وانكماش الأمان الاجتماعي.
وفي بلد كان يتباهى طويلاً بموظفيه ومتعلميه وأصحاب المهن الصغيرة، لم يعد تآكل الطبقة الوسطى مجرد رقم اقتصادي، بل مأساة سياسية وإنسانية تكشف كيف دفعت السياسات العامة ملايين الأسر نحو حافة الفقر.
كما أن عبارة أحمد خالد توفيق في يوتوبيا عن مجتمع بلا طبقة وسطى قابل للانفجار لم تعد خيالاً أدبياً، بل تحذيراً اجتماعياً يطارد واقعاً تتسع فيه الفجوة بين قلة تملك وكلية تعجز عن البقاء.
الطبقة الوسطى بين التعريف والسقوط
لذلك يصعب رسم حدود الطبقة الوسطى في مصر اليوم، لأن التضخم وتراجع الجنيه وضعف الأجور نقلت ملايين الأسر من خانة الاستقرار النسبي إلى خانة القلق الدائم على الطعام والتعليم والسكن والدواء.
ومن ثم اعتمدت دراسات دولية تعريفات مختلفة للطبقة الوسطى، بينها تعريف بروكينجز الذي يضعها ضمن إنفاق يتراوح بين 11 و110 دولارات للفرد يومياً وفق تعادل القوة الشرائية.
غير أن هذا التعريف العالمي يكشف قسوة المشهد المصري، فالدخل المتاح للاستهلاك لم يعد يسمح لشرائح واسعة بالحفاظ على نمط حياة كان يعد عادياً قبل موجات الغلاء وتراجع العملة.
علاوة على ذلك، قسمت فيتش سوليوشنز الشرائح وفق الدخل المتاح للاستهلاك سنوياً، واعتبرت أن تجاوز الأسرة 5000 دولار سنوياً يضعها فوق الطبقة الدنيا، بينما تكشف الأرقام المصرية هبوطاً قاسياً.
بناءً على ذلك، فإن انخفاض متوسط الدخل المتاح للاستهلاك للأسرة من 5000 دولار عام 2021 إلى 3200 دولار عام 2023 لا يعني تراجع رفاهية فقط، بل سقوطاً اجتماعياً منظماً.
في المقابل، شهد العالم نمواً للطبقة الوسطى خلال العقدين الماضيين، إذ تحدثت بروكينجز عن توسع عالمي كبير، خصوصاً في آسيا، بينما تسير مصر عكس الاتجاه بفعل التضخم والديون والتعويم.
كذلك يوضح الباحث هومي خاراس، من بروكينجز، أن الطبقة الوسطى العالمية ترتبط بالقدرة على الاستهلاك الآمن والخروج من رعب الفقر، وهي قدرة باتت تتآكل داخل مصر مع كل موجة أسعار.
وبالتالي لم تعد الطبقة الوسطى المصرية قادرة على أداء دورها التقليدي كمنطقة عازلة بين الغنى الفاحش والفقر العاري، بعدما فقدت القوة الشرائية وتراجعت أمام تكاليف يومية لا ترحم.
التضخم يبتلع الراتب والجنيه يطرد الاستقرار
لزيادة الخطر، جاء انهيار قيمة الجنيه مقابل الدولار ليعمق التراجع، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية والخدمات والتعليم والسكن والوقود، بينما بقيت الأجور عاجزة عن اللحاق بمعدل الزيادة الحقيقي في المعيشة.
ومن ناحية أخرى، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن التضخم في مصر ظل مرتفعاً بشدة خلال 2024، بعدما سجل 28.3%، وهو مستوى كفيل بسحق الدخول الثابتة وإعادة تصنيف الأسر طبقياً.
فضلاً عن ذلك، حذر تقرير للبنك الدولي من استمرار الندوب الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن موجة التضخم في 2023 و2024، مع تقدير الفقر القومي عند 33.5% في 2021 و2022.
في هذا السياق، تؤكد الدكتورة هبة الليثي، أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة، أهمية مؤشرات الدخل والإنفاق في قياس الفقر، وقد عرضت سابقاً ارتفاع الفقر إلى 32.5% عام 2017 و2018.
غير أن الأرقام الأحدث تبدو أشد قسوة، لأن الأسر التي كانت تستطيع شراء احتياجاتها الأساسية صارت تعيد ترتيب الأولويات، فتخفض الإنفاق على اللحوم والتعليم الخاص والصحة والترفيه وحتى النقل.
ومن ثم تصبح المبادرات الحكومية لبيع السلع المخفضة دليلاً على عمق الأزمة لا حلاً لها، فإقبال الطبقة الوسطى عليها يعني أن الاحتياج لم يعد محصوراً في الفقراء وحدهم.
كما أن هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، وصف انهيار الطبقة المتوسطة بأنه غير متوقع في ظل الغلاء وارتفاع أعباء الحياة والضرائب مع ثبات الدخول أو ارتفاعها أقل كثيراً من الأسعار.
إضافة إلى ذلك، لا يقتصر أثر التآكل على الغذاء فقط، بل يمتد إلى التعليم والعلاج والسكن، وهي المجالات التي كانت الطبقة الوسطى تستخدمها لصناعة مستقبل أبنائها وحماية موقعها الاجتماعي.
الانفجار الاجتماعي حين تختفي رمانة الميزان
هنا تظهر خطورة غياب الطبقة الوسطى التي وصفها أحمد خالد توفيق بقضبان الجرافيت في المفاعل، لأنها تبطئ التفاعل الاجتماعي العنيف وتحول دون انقسام المجتمع إلى طبقتين متواجهتين.
لذلك فإن تراجع هذه الطبقة يهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي، لأنها تمثل القلب الاستهلاكي للبلاد، وتشكل السوق الأكبر للسلع والأجهزة والعقارات والمواصلات والخدمات المصرفية والقروض الشخصية والعقارية.
ومن ثم فإن انهيار قدرتها الشرائية يضرب الاقتصاد من الداخل، لأن تراجع استهلاكها يعني تراجع الطلب، وتباطؤ الإنتاج، وانكماش فرص العمل، ثم عودة الأزمة إلى مزيد من الفقر والركود.
بالمقابل، يؤكد محمود محيي الدين أن مصر تحتاج إلى زيادة الاستثمار والتنافسية وتقليل الاعتماد على الديون وخفض التضخم لتحسين أوضاع الطبقة الوسطى التي أرهقتها السنوات الماضية.
غير أن السياسات القائمة تبدو مشدودة إلى إدارة الأزمة لا علاجها، فالتعويم والضرائب وتقليص الدعم وخفض الإنفاق الاجتماعي جعلت الأسر تدفع فاتورة إصلاحات لم تصنع لها حماية حقيقية.
وعليه، يصبح التعليم أكثر القطاعات تأثراً، فالطبقة الوسطى التي كانت ترى التعليم طريقاً للترقي الاجتماعي صارت عاجزة عن تمويل الدروس والمدارس والجامعات، ما يهدد دورة الصعود الاجتماعي نفسها.
كذلك تتحول الأزمة إلى خطر سياسي صامت، لأن الأسرة التي تفقد استقرارها لا تفقد استهلاكها فقط، بل تفقد ثقتها في المستقبل، وفي قدرة الدولة على حماية الحد الأدنى من الكرامة.
في النهاية، لا تكشف أرقام فيتش والبنك الدولي عن ضائقة عابرة، بل عن إعادة تشكيل قاسية للمجتمع المصري، حيث تتلاشى المنطقة الوسطى التي كانت تمنح البلاد توازناً اقتصادياً ونفسياً وسياسياً.
وبناءً على ذلك، فإن إنقاذ الطبقة الوسطى لا يبدأ بمبادرات مؤقتة للسلع، بل بسياسات أجور عادلة، وضبط للتضخم، وحماية اجتماعية حقيقية، وإصلاح اقتصادي ينتج وظائف لا ديوناً جديدة.

