أعلنت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية أن 37 ألفا و698 طالبا في غزة خاضوا اليوم السبت امتحانات الثانوية العامة إلكترونيا عبر منصة وايز سكول، وسط انقطاع الإنترنت والكهرباء، فصار الامتحان معركة نجاة لا اختبارا مدرسيا.

 

وبذلك تحولت قصة الطالب أحمد حسن، الباحث عن إشارة فوق الركام، إلى مرآة سياسية وإنسانية لقطاع يطارد الاحتلال فيه المدارس والطلاب والذاكرة، بينما يترك العالم جيلا كاملا يختبر مستقبله داخل الخيام.

 

امتحان فوق الركام

 

في صباح الامتحان، لم يبحث طلاب غزة عن أقلام أو مقاعد أو لجان، بل عن هاتف مشحون وشبكة لا تسقط وخيمة لا يقصفها الاحتلال، في مشهد يلخص انهيار شروط التعليم الأساسية.

 

كما أن تعطل التطبيق في أول امتحان، بحسب شهادات الطلبة، كشف هشاشة الحل الإلكتروني حين يفرض على مجتمع محاصر بلا كهرباء مستقرة ولا إنترنت آمن ولا مكان هادئ يحمي التركيز والكرامة.

 

ولزيادة المأساة، وجد الطالب نفسه بين المقاهي وخيام النزوح والأماكن العامة، لا لأنه فشل دراسيا، بل لأن الاحتلال دمر المدرسة والبيت والطريق، ثم ترك الضحية مسؤولة عن تدبير المستحيل.

 

لذلك تبدو الامتحانات الإلكترونية في غزة إجراء اضطراريا لا إنجازا إداريا، فهي تنقذ ما يمكن إنقاذه شكليا، لكنها تكشف في العمق حجم الجريمة التي دفعت التعليم إلى حافة الانهيار الكامل.

 

ومن ثم فإن الحديث عن تكافؤ الفرص يصبح قاسيا ومخادعا، لأن طالبا في الضفة يدخل قاعة منظمة، بينما طالب غزة يفاوض الخوف والجوع والبطارية والإشارة، قبل أن يفتح سؤالا واحدا.

 

غير أن صمود الطلاب لا ينبغي أن يتحول إلى ستار لتجميل الكارثة، فالإصرار على الامتحان وسط الخيام بطولة إنسانية، لكنه في الوقت نفسه دليل إدانة سياسي لمن صنع هذه البيئة المستحيلة.

 

علاوة على ذلك، قال المتحدث باسم الوزارة صادق الخضور إن امتحانات غزة ستعقد إلكترونيا بالكامل، مع احتمال العودة للقاعات إذا توفرت الجاهزية، وهي صياغة تكشف أن الأصل الطبيعي صار استثناء مؤجلا.

 

تدمير المدرسة كمؤسسة حياة

 

بناء على ذلك، لا يمكن فصل امتحان الثانوية عن سياسة أوسع استهدفت المدرسة بوصفها مؤسسة حياة، فالاحتلال لم يدمر جدرانا فقط، بل ضرب النظام الذي ينتج الطبيب والمهندس والمعلم والذاكرة الجماعية.

 

في السياق ذاته، أكدت يونيسف أن أكثر من 97 بالمئة من مدارس غزة تضررت أو دمرت، وأن التعليم لم يعد خدمة مؤجلة، بل طارئا إنسانيا يمس بقاء الأطفال النفسي والاجتماعي والمعرفي.

 

ثم جاءت تقديرات مجموعة التعليم وأوتشا لتقول إن 91.8 بالمئة من المباني المدرسية تحتاج إلى إعادة بناء كاملة أو تأهيل رئيسي، بما يعني أن العودة إلى التعليم الطبيعي تحتاج قرارا سياسيا قبل الإسمنت.

 

وفي هذا الإطار، وصف جيمس إلدر، المتحدث باسم يونيسف، التعلم في غزة بأنه مسألة منقذة للحياة، لا رفاهية، لأن المدرسة تمنح الطفل روتينا وحماية ومعلومة وخدمة نفسية وسط بيئة مهددة باستمرار.

 

كذلك حذر فيليب لازاريني، المفوض العام للأونروا، من أن استمرار بقاء الأطفال خارج المدارس يرفع خطر صناعة جيل ضائع، وهو تحذير لا يخص التعليم وحده، بل مستقبل المجتمع كله.

 

أما كرمة النابلسي، أستاذة السياسة في جامعة أكسفورد، فقد ارتبط اسمها بمفهوم تدمير التعليم، الذي يصف استهداف المؤسسات التعليمية والمعرفية، وهي زاوية تفسر ما يجري في غزة كضرب للوجود الفلسطيني.

 

من ناحية أخرى، يكشف تهديد الاحتلال بقصف مدارس إذا أجريت فيها امتحانات تحريرية أن القضية ليست تقنية ولا لوجستية، بل معركة سيطرة على المكان الذي يفترض أن يحمي الطفل ويمنحه مستقبلا.

 

ولهذا فإن تحويل المدارس إلى مراكز إيواء، ثم تهديد ما تبقى منها، يضع الطالب أمام خيارين مريرين: النزوح داخل مؤسسة تعليمية مكسورة، أو الامتحان بعيدا عنها تحت رحمة الشبكة والقصف.

 

جيل يحاكم العالم

 

على الجانب الإنساني، يعيش طلاب التوجيهي امتحانا مضاعفا، فهم يدرسون بين أصوات الأطفال والازدحام والحر والخوف، بينما تقف الأسر عاجزة أمام أبسط المتطلبات: شحن الهاتف، شراء البيانات، وتوفير الهدوء.

 

إضافة إلى ذلك، لا تبدو أرقام المتقدمين مجرد إحصاء رسمي، فكل رقم يمثل طالبا كان يفترض أن يجلس في فصل، لا أن يصعد فوق كومة ركام بحثا عن إشارة رقمية.

 

وبالمقابل، يتقدم 51 ألفا و499 طالبا في الضفة الغربية بالطرق الاعتيادية، بينما يتقدم 1941 من طلبة غزة خارج فلسطين في 46 دولة، ما يكشف تشظي التجربة التعليمية بفعل الحرب والنزوح.

 

كما أن وجود 65 معتقلا فلسطينيا يتقدمون للامتحانات داخل السجون الإسرائيلية يضيف جانبًا آخر  من القسوة، إذ يصبح التعليم فعلا مقاوما في الخيمة والسجن والشتات، لا مجرد محطة أكاديمية.

 

في المحصلة، تكشف واقعة اليوم أن الاحتلال حاصر الطالب من كل جهة: قصف المدرسة، هجر الأسرة، قطع الكهرباء، أضعف الإنترنت، ثم تركه أمام امتحان يحدد مصيره كأن الحياة طبيعية.

 

لذلك لا تكفي الإشادة بصمود طلبة غزة، بل يجب تسمية الجريمة باسمها: سحق منظم لحق التعليم، ومحاولة دفع جيل كامل إلى الفراغ، تحت غطاء الحرب والصمت الدولي.

 

ومن هنا، يصبح امتحان الدين أول اختبار حقيقي للعالم لا للطلاب، فالسؤال الأخلاقي الأكبر هو كيف يطلب من طفل تحت القصف أن يثبت كفاءته، بينما يفشل النظام الدولي في حمايته.

 

وفي النهاية، يظل أحمد حسن فوق الركام عنوانا لجيل لا يطلب امتيازا، بل حقا بسيطا في مدرسة آمنة وإنترنت لا ينقطع وامتحان لا يبدأ بالخوف، لكن الاحتلال حول البديهيات إلى معجزات.