عاد ملف الوقود إلى الواجهة، بعد تراجع النفط عالميًا إلى نحو 82.94 دولارًا لبرنت، مطالبًا الحكومة بمراجعة الأسعار، فاشتعل السؤال الشعبي حول مصير البنزين والسولار.
وبذلك لم يعد الملف اقتصاديًا فقط، بل صار اختبارًا سياسيًا وإنسانيًا لحكومة ترفع الأسعار سريعًا عند الأزمات، ثم تتباطأ حين تهبط الأسواق، بينما يدفع المواطن فاتورة النقل والغذاء والخدمات من دخله المتآكل.
جاء السؤال من الإعلامي عمرو أديب المؤيد للانقلاب في مصر ، بعد تصريحات سابقة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن مراجعة الأسعار إذا انخفض البترول بعد انتهاء الأزمة، ليصبح الوعد الحكومي اليوم أمام امتحان علني لا يحتمل المراوغة.
وعد المراجعة بين شاشة التلفزيون ومحطات الوقود
ومن ثم، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق بسعر لتر البنزين وحده، بل بثقة مهدرة بين المواطن والدولة، فالحكومة تطلب تفهم الزيادات، لكنها لا تقدم الآلية نفسها حين تنخفض الأسعار العالمية.
غير أن لجنة التسعير التلقائي تأسست أصلًا على فكرة الربط بين السعر المحلي ومتوسط خام برنت وسعر الصرف والتكاليف الأخرى، بما يعني أن الانخفاض يجب أن يكون حاضرًا مثل الارتفاع.
علاوة على ذلك، تشير بيانات وزارة البترول إلى أن آلية التسعير تستهدف تعديل الأسعار صعودًا أو هبوطًا كل ربع سنة وفق تطورات خام برنت وسعر الدولار والأعباء الثابتة.
في المقابل، تقول الحكومة عادة إن سعر الصرف وتكاليف النقل والاستيراد تمنع النقل المباشر لأي هبوط عالمي، لكن هذا التبرير يصبح ضعيفًا عندما يشعر المواطن أن الزيادة تصل فورًا والتخفيض لا يصل أبدًا.
وبناءً على ذلك، يصبح سؤال عمرو أديب أوسع من برنامج تلفزيوني، لأنه يلتقط غضبًا مكتومًا لدى ملايين الأسر التي لا ترى أثرًا لانخفاض النفط على أجرة المواصلات أو أسعار السلع.
كما أن آخر زيادات الوقود رفعت بنزين 80 إلى 20.75 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 95 إلى 24 جنيهًا، والسولار إلى 20.50 جنيهًا للتر.
لذلك تبدو المطالبة بالمراجعة منطقية، لأن السولار ليس سلعة رفاهية، بل يدخل في النقل والزراعة والتوزيع، وأي بقاء لسعره مرتفعًا يترك أثره في كل رغيف وخضار ودواء.
وقد رأى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن رفع البنزين والسولار رغم تراجع النفط عالميًا يستند إلى خسائر تراكمية في قطاع الطاقة، وهو تفسير اقتصادي لا يمحو العبء الاجتماعي للقرار.
الأرقام التي لا تصل إلى جيب المواطن
في حين تراجعت أسعار النفط العالمية بعد انحسار التوترات، عاد المصريون للمقارنة بين السوق الدولية والسعر المحلي، فخام برنت سجل نحو 82.94 دولارًا، وغرب تكساس نحو 80.66 دولارًا للبرميل.
ومن جهة أخرى، إذا كانت الحكومة تستند إلى ارتفاع النفط لتبرير الزيادة، فإن استمرار الأسعار المحلية عند مستويات مرتفعة بعد الهبوط يضعها أمام اتهام واضح بازدواجية المعايير في إدارة الدعم.
كذلك لا تقف آثار الوقود عند محطة البنزين، لأن أجرة النقل الجماعي والخاص وأسعار الشحن وتكاليف المصانع تتحرك مع السولار، وغالبًا لا تتراجع حتى لو وعدت الحكومة بالمراجعة.
لزيادة الضغط على الأسر، فإن أي زيادة سابقة في الوقود تتحول إلى موجة أسعار أوسع، بينما أي هبوط عالمي يبقى خبرًا في نشرات الاقتصاد لا يصل إلى السوق ولا إلى جيوب المواطنين.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن الحكومة استسهلت رفع أسعار الوقود، وإن القرار يجب أن يصاحبه تحرك لزيادة الإنتاج والتصنيع والتصدير، لا الاكتفاء بتحميل المواطن الفاتورة.
غير أن المواطن لا يرى هذه السياسات في حياته اليومية، بل يرى أجرة أعلى وسلعًا أغلى، ثم يسمع عن تراجع النفط دون أن يجد أثرًا ملموسًا في المواصلات أو الأسواق.
وبالتالي، فإن تثبيت الأسعار بعد هبوط النفط لا يعني استقرارًا للمواطن، بل يعني تثبيت مستوى مرتفع من الأعباء، خصوصًا بعدما أصبحت الطاقة عنصرًا أساسيًا في صناعة التضخم اليومي.
كما أن أسطوانة البوتاجاز المنزلية وصلت إلى 275 جنيهًا، والتجارية إلى 550 جنيهًا، وهي أرقام تكشف أن أزمة الطاقة تجاوزت البنزين إلى مطبخ الأسرة وأدوات المعيشة الأساسية.
بين لجنة التسعير وغضب الشارع
ومن ثم، تواجه لجنة التسعير التلقائي اختبارًا حقيقيًا في الجولة المقبلة، فإما أن تثبت أنها آلية عادلة تعكس الارتفاع والانخفاض، أو تتحول في نظر المواطنين إلى أداة لتقنين الغلاء فقط.
غير أن أزمة الوقود لا تنفصل عن برنامج أوسع لخفض دعم الطاقة، وهي سياسة دفعت المصريين خلال سنوات إلى تحمل زيادات متتابعة، بينما بقيت الأجور عاجزة عن اللحاق بالموجة.
علاوة على ذلك، حذر خبير الطاقة رمضان أبو العلا من أن أسواق الطاقة تظل شديدة الهشاشة أمام الصراعات الجيوسياسية، وهو ما تستخدمه الحكومة لتبرير الحذر، لكنه لا يبرر غياب الشفافية.
في المقابل، الشفافية المطلوبة ليست بيانًا عامًا عن التكاليف، بل إعلان واضح عن سعر البرميل المستخدم في الحسابات، وسعر الدولار المعتمد، ونصيب الضرائب والرسوم، وحجم الدعم الحقيقي لكل لتر.
وبناءً على ذلك، فإن خفضًا محدودًا في البنزين والسولار سيكون رسالة سياسية قبل أن يكون قرارًا اقتصاديًا، لأنه يعترف بأن المواطن لا يجب أن يتحمل وحده خسائر الدولة وأخطاء إدارتها.
كما أن تجاهل الهبوط العالمي سيكرس شعورًا بأن الحكومة تتعامل مع الوقود كجباية ثابتة، لا كسلعة تخضع لحسابات معلنة، فتربح الخزانة بينما يخسر المستهلك قدرته على الصمود.
لذلك يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تراجع الحكومة الأسعار فعلًا إذا استمر انخفاض النفط، أم تنتظر اجتماع اللجنة لتخرج بتثبيت مريح للدولة ومؤلم للمواطنين، تحت لافتة التكاليف الأخرى.
وفي النهاية، يكشف ملف الوقود أن أزمة المصريين ليست فقط في سعر اللتر، بل في غياب العدالة عن معادلة التسعير، حيث ترتفع الأسعار باسم السوق ولا تنخفض باسمه.

