رفعت وزارة الري المصرية جاهزية السد العالي ومفيض توشكى جنوب البلاد، لمواجهة تدفقات مائية محتملة خلال موسم الصيف، بعد تحركات شملت الرصد اللحظي لنهر النيل، وتطوير التشغيل، وتقليل مخاطر أي فيضانات غير منسقة.
وبذلك تكشف القاهرة، ولو بلغة فنية حذرة، حجم القلق من سد النهضة، فالدولة التي كانت تطمئن الناس طويلا عادت تتحصن بالسد العالي، كأنها تواجه نتيجة سياسية ثقيلة صنعتها سنوات التفريط والمفاوضات العقيمة.
السد العالي خط الدفاع الأخير
في البداية، أعلن وزير الري هاني سويلم استمرار إدارة المنظومة المائية بأسلوب ديناميكي، يعتمد على متابعة إيرادات النيل في أعاليه، وتحليل صور الأقمار الصناعية، واستخدام نماذج رياضية للتنبؤ المبكر بالمتغيرات المائية.
كما أن التركيز على المناسيب والتصرفات على مدار الساعة يعني أن الأزمة لم تعد ملفا تفاوضيا بعيدا، بل تحولت إلى اختبار يومي لقدرة الدولة على حماية الزراعة والشرب والصناعة والكهرباء من اضطراب مفاجئ.
ولزيادة الجاهزية، تابعت الوزارة مشروع توسعة مفيض توشكى، بما يعزز قدرة بحيرة ناصر والسد العالي على استيعاب أي زيادات غير متوقعة، ويمنح الدولة هامشا أوسع للتحرك عند الطوارئ المائية.
لذلك يبدو السد العالي اليوم كآخر جدار حماية أمام موجات محتملة قادمة من الجنوب، لا كمنشأة تاريخية فقط، بينما يتحول مفيض توشكى إلى صمام أمان سياسي قبل أن يكون مسارا هندسيا.
ومن ثم فإن حديث الحكومة عن التطوير المستمر لا يخفي أصل المشكلة، لأن كفاءة التشغيل داخل مصر لا تعوض غياب اتفاق قانوني ملزم مع إثيوبيا يحدد قواعد الملء والتشغيل والتصريف.
غير أن الخبير نادر نور الدين يرى أن مصر لم تتأثر بقوة خلال مراحل الملء السابقة بفضل مخزون بحيرة السد العالي، لكنه يربط ذلك بسنوات فيضان مرتفعة، لا بضمانات إثيوبية أو اتفاق واضح.
علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على المخزون لا يصلح كسياسة دائمة، لأن البحيرة قد تحمي مرة ومرات، لكنها لا تلغي الخطر عندما تتحكم دولة المنبع في بوابات سد ضخم دون تنسيق حقيقي.
فيضانات غير منسقة وسد بلا اتفاق
بناء على ذلك، تزداد المخاوف مع موسم الأمطار في إثيوبيا، حيث يمكن لارتفاع منسوب سد النهضة أن يدفع أديس أبابا إلى تصريف كميات كبيرة بصورة مفاجئة، فتصل آثارها أولا إلى السودان ثم إلى مصر.
في المقابل، تحذر القاهرة من أن فتح بوابات السد دون تنسيق قد يخلق تدفقات غير منتظمة، وهو ما ظهر في السنوات الماضية عندما ارتبطت بعض الفيضانات السودانية بإدارة إثيوبية مرتبكة للمياه المخزنة.
ثم إن أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية عباس شراقي حذر سابقا من أن سوء إدارة سد النهضة تسبب في تدفقات ضخمة نحو السودان، وأن السد العالي حمى مصر من كميات كان يمكن أن تتحول إلى كارثة.
كذلك يشير شراقي إلى أن ارتفاع مناسيب بحيرة ناصر عكس حجم المياه القادمة، بما يثبت أن مصر لا تواجه خطرا نظريا، بل تتعامل مع نتائج تشغيل فعلي لسد إثيوبي ضخم خارج أي التزام ملزم.
ومن ناحية أخرى، وصف وزير الري الأسبق محمد نصر الدين علام طريقة تشغيل سد النهضة بأنها غامضة ومقلقة، محذرا من أن التصرفات غير المنسقة قد تضر بدولتي المصب، خاصة عند الفيضان أو الجفاف.
لهذا فإن الخطر لا يكمن في كمية المياه وحدها، بل في توقيتها وطريقة إطلاقها، لأن الفيضان المفاجئ قد يربك السدود والمنشآت، بينما الحجز الطويل قد يضغط على المخزون والزراعة وحياة المواطنين.
وبالتوازي، تواصل مصر المطالبة باتفاق قانوني ملزم، لكن السنوات أثبتت أن أديس أبابا ربحت الوقت، بينما ظلت القاهرة تكرر التحذير وتراهن على مسار تفاوضي لم يمنع الملء ولا التشغيل الأحادي.
فجوة مائية ومواطن يدفع الثمن
على الصعيد نفسه، تكشف البيانات الرسمية أن مصر تعاني فجوة مائية كبيرة، مع اعتمادها شبه الكامل على نهر النيل، وحصة سنوية ثابتة تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، لا تكفي وحدها للاحتياجات المتزايدة.
لكن الأخطر أن هذه الفجوة لا تظهر في الأرقام فقط، بل في حياة الفلاحين ومياه الشرب وأسعار الغذاء، إذ يصبح أي اضطراب في النيل قابلا للتحول إلى ضغط اجتماعي واقتصادي واسع.
وفي هذا الإطار، تواصل الحكومة تنفيذ الخطة القومية لإدارة الموارد المائية 2037، عبر المعالجة والتحلية وإعادة الاستخدام، وهي مشروعات مهمة فنيا، لكنها لا تعالج جوهر الأزمة السياسية مع إثيوبيا.
إلى جانب ذلك، يتحدث المسؤولون عن الجيل الثاني لإدارة المياه والتحول الرقمي والرصد اللحظي، غير أن التكنولوجيا لا تستطيع وحدها تعويض غياب السيادة التفاوضية، ولا تمنح المواطن ضمانة ضد قرار إثيوبي منفرد.
ومن هنا، يصبح خوف مصر من فيضانات محتملة وجها آخر للخوف من العجز السياسي، لأن الدولة التي لا تملك قواعد تشغيل ملزمة تظل مضطرة لإدارة المفاجآت بدلا من منعها من الأصل.
في المقابل، يربط خبراء المياه بين حماية مصر الحالية وقدرة السد العالي، وبين هشاشة المستقبل إذا تكررت سنوات الجفاف أو حدث تصريف مفاجئ، ما يجعل الأمن المائي رهينة للتقلبات والمناورات الإثيوبية.
بالتالي، لا يمكن فصل تطهير الترع وتجهيز محطات الرفع وتطوير مفيض توشكى عن المعنى الأكبر، فهذه إجراءات دفاعية داخلية تعكس استنفارا مكتوما أمام سد النهضة، لا مجرد تحسين إداري عادي.
ومع ذلك، تستخدم الحكومة لغة مطمئنة وتصف تحركاتها بأنها استعدادات فنية، بينما تكشف التفاصيل أن الخوف الحقيقي يدور حول سيناريوهات فيضان مفاجئ أو اضطراب مائي يأتي من خارج الحدود.
في النهاية، تبدو مصر كمن يدفع ثمن إدارة سياسية تركت سد النهضة يكتمل دون اتفاق، ثم عادت تطلب من السد العالي أن يحمل وحده عبء الحماية من فيضان محتمل وخطر مزمن.

