كشفت تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن تخلي الدولة الصريح عن مسؤوليتها في خلق فرص العمل لـ 100 مليون مصري، مدعياً أن هذا الدور منوط بالقطاع الخاص وحده، في تنصل واضح من الالتزامات الدستورية والاجتماعية والوطنية تجاه الشعب المطحون والمفقر.
وبالتالي تعكس هذه الكلمات المستفزة نهجاً سياسياً يهدف لإخلاء طرف الحكومة من الانهيار المعيشي، عبر تحميل القطاع الخاص مسؤولية فشل السياسات النقدية والمالية التي سحقت القوة الشرائية للمواطنين وحولت حياة الملايين إلى جحيم مستمر من الفقر والاحتياج الدائم والمهين.
لزيادة التوضيح، أكدت الدكتورة عالية المهدي أن القطاع الخاص يخلق 82% من فرص العمل الحالية، لكنها وظائف هشّة وضعيفة بسبب تردي التعليم العام والفني، وغياب دور الدولة التنظيمي الجاد في دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر المنهكة بالضرائب والرسوم.
https://www.facebook.com/alia.el.mahdi.2025/posts/10162808394550785?ref=embed_post
لذلك يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن الحكومة تنافس القطاع الخاص بشدة على نفاذ تمويل البنوك، مما يجعل من المستحيل على الشركات الوطنية النمو في ظل أسعار فائدة مبالغ في ارتفاعها تهدف فقط لخدمة ديون السلطة المتراكمة والديون السيادية.
ومن ثم تسببت الارتفاعات المتتالية في أسعار الوقود والطاقة في خنق النشاط الإنتاجي، حيث تخلت الدولة عن دورها في توفير أماكن ممارسة النشاط المنظمة، وتركت المستثمرين الصغار يواجهون العشوائية وغلاء الأراضي وندرة وسائل المواصلات العامة الرخيصة والمتاحة لكافة العمال.
غير أن تصريحات مدبولي تتجاهل حقيقة أن النشاط الاقتصادي يتركز في عدد محدود من المحافظات، بينما تعاني بقية أقاليم مصر من إهمال جسيم في البنية التحتية والتدريب، مما يجعل من دعوة القطاع الخاص للقيام بالدور القيادي مجرد وهم وسراب خادع.
علاوة على ذلك، يؤكد الدكتور مصطفى شاهين أن الدولة التي تفشل في توفير نظام تأمين اجتماعي وصحي فعال لا يمكنها مطالبة الشركات بتحمل أعباء التوظيف، خاصة في ظل بيئة استثمارية طاردة تهيمن عليها المؤسسات السيادية والشركات التابعة للأجهزة الأمنية المختلفة.
بناءً على ذلك، يظهر أن الحكومة تحاول الهروب من مسؤوليتها التاريخية تجاه الشباب الخريجين، عبر الترويج لسردية قديمة تعود لـ 60 عاماً، متناسية أن دور الدولة الحديثة يكمن في التنظيم والتحفيز وليس فقط في فرض الجباية والرسوم والضرائب الباهظة والمستمرة.
إضافة إلى ما سبق، تسببت السياسات النقدية المتبعة في جعل القروض البنكية بعيدة المنال عن صغار المستثمرين، حيث تفضل المصارف إقراض الحكومة بفوائد مرتفعة ومضمونة، بدلاً من تمويل مشروعات إنتاجية تخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة للشباب المصري المنهك واليائس والمهمش.
ونتيجة لهذا الوضع، يعاني سوق العمل من تشوهات هيكلية خطيرة، حيث يضطر ملايين الشباب للعمل في وظائف غير رسمية تفتقر لأدنى معايير الحماية القانونية، بينما تكتفي الحكومة بإصدار بيانات ورقية لا تلامس واقع الأزمة الاقتصادية الطاحنة والمتفاقمة يوماً بعد يوم.
فضلاً عن ذلك، يرى مراقبون أن الدولة أصبحت الخصم والحكم في آن واحد، فهي تضع القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي ثم تتدخل لمنافسة القطاع الخاص في كافة المجالات، مما أدى لهروب رؤوس الأموال الوطنية والبحث عن ملاذات آمنة خارج الحدود المصرية.
بالمقابل تتجاهل التصريحات الرسمية حقيقة أن غلاء أسعار الوقود والكهرباء جعل من تكلفة الإنتاج في مصر هي الأعلى في المنطقة، مما أفقد السلع المصرية قدرتها التنافسية، وأدى لإغلاق آلاف المصانع والورش التي كانت توفر سبل العيش لملايين العمال والمهنيين المصريين.
وعلي صعيد متصل، تسببت ندرة وسائل المواصلات العامة وارتفاع أسعارها في زيادة أعباء الانتقال للعمال، وهو ما يقلص من جاذبية العمل في المناطق الصناعية البعيدة، ويؤكد غياب الرؤية الحكومية المتكاملة لربط مراكز الإنتاج بمناطق السكن الشعبية والريفية والفقيرة في المحافظات.
بينما يرى الخبير وائل النحاس أن الحديث عن وثيقة سياسة ملكية الدولة هو مجرد حبر على ورق، طالما لم تتوقف الحكومة عن مزاحمة القطاع الخاص في السيولة المتاحة لدى الجهاز المصرفي، لتمويل عجز الموازنة المتضخم والديون التي تبتلع الأخضر واليابس.
لكن الحقيقة المرة تشير إلى أن الدولة تخلت عن دورها التعليمي والتدريبي، حيث يخرج النظام التعليمي آلاف الشباب غير المؤهلين لسوق العمل، مما يضطر الشركات لتحمل تكاليف إضافية للتدريب، أو الاكتفاء بعمالة غير ماهرة ومنخفضة الأجر في كافة قطاعات الإنتاج.
تباعاً لذلك، تزداد حدة الانتقادات الموجهة للحكومة بسبب إهمالها للمحافظات الحدودية والصعيد، حيث يتركز النشاط الاقتصادي في القاهرة والجيزة فقط، مما يؤدي لهجرة داخلية كثيفة تضغط على الخدمات المتهالكة أصلاً وتزيد من عشوائية المدن الكبرى والمناطق الصناعية والمراكز الحضرية المزدحمة.
في المقابل يواجه أصحاب المشروعات الصغيرة عقبات بيروقراطية تعجيزية للحصول على التراخيص، حيث تفرض الحكومة رسوماً خفية ومعلنة تستنزف رأس المال قبل بدء النشاط، مما يحول دون تحول الاقتصاد غير الرسمي إلى المنظومة الرسمية الخاضعة للرقابة والضرائب والشفافية والمساءلة القانونية.
واستناداً إلى الواقع، فإن دور الحكومة التنظيمي المفتقد جعل من السوق المصري غابة يسيطر عليها كبار المحتكرين والمقربين من دوائر السلطة، بينما يصارع القطاع الخاص الحقيقي للبقاء في ظل ظروف غير عادلة تفتقر للشفافية وتكافؤ الفرص الحقيقية والعدالة الاقتصادية الغائبة.
لاسيما وأن السياسات المالية الحالية تخدم فقط كبار المودعين والمؤسسات المالية الكبرى، بينما تترك صغار الصناع يواجهون مصيرهم المجهول أمام وحش الغلاء وارتفاع تكاليف المدخلات، مما يهدد بتفكك النسيج الإنتاجي الوطني لصالح الاستيراد والسلع الأجنبية والتركية والصينية الرخيصة والرديئة والمدمرة.
وتأسيساً على ذلك، يشدد الدكتور مصطفى شاهين على أن الدولة لا يمكنها التنصل من مسؤوليتها عن التوظيف طالما أنها تسيطر على كافة مفاصل الاقتصاد، وتفرض سياسات نقدية تسببت في انهيار الجنيه وارتفاع جنوني في أسعار كافة السلع والخدمات الأساسية والضرورية.
علاوة على ما تقدم، فإن الاستمرار في نهج الجباية وتجاهل دور الدولة الاجتماعي سيؤدي حتماً إلى تآكل ما تبقى من الطبقة الوسطى، وهي صمام الأمان لأي مجتمع، مما يحول مصر إلى مجتمع منقسم بين نخبة ثرية وأغلبية ساحقة تعاني الفقر.
بيد أن رئيس الوزراء لا يزال يروج لنجاحات وهمية، متجاهلاً أن كل تصريح يعكس رغبة في التخلي عن المواطن، وترك الشباب يواجهون مستقبلاً مظلماً في ظل غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة التي تضع الإنسان المصري على رأس الأولويات والاهتمامات والخطط الحكومية.
بالتزامن مع ذلك، تزداد حدة الغضب الشعبي من تصريحات مدبولي التي تعتبر استفزازاً لملايين الأسر التي تعاني من البطالة والغلاء، حيث يرى المواطنون أن الحكومة تأخذ الضرائب والرسوم ثم ترفض تقديم الخدمات الأساسية أو توفير فرص العمل الكريمة واللائقة والمستقرة.
إحقاقاً للحق، فإن المسؤولية تقع بالكامل على عاتق النظام السياسي الذي اختار الانحياز للمصالح الضيقة، وترك الأسواق نهباً للمحتكرين، مما جعل من الاستثمار في مصر مغامرة غير محسومة النتائج في ظل غياب دولة القانون والمؤسسات الاقتصادية المستقلة والشفافة والنزيهة والفاعلة.
وختاماً لهذا المشهد، يبقى السؤال معلقاً حول قدرة القطاع الخاص على الصمود أمام هذه الضغوط المتزايدة، وهل ستدرك الحكومة أن دورها ليس مجرد فرض الضرائب، بل خلق البيئة المناسبة للنمو والازدهار بعيداً عن المنافسة غير العادلة والسياسات العقيمة والمدمرة.
إضافة إلى ذلك، يرى محللون أن غياب الرقابة البرلمانية الحقيقية أطلق يد الحكومة في تنفيذ سياسات إفقار ممنهجة، مما خلق حالة من الاحتقان المكتوم الذي قد يتحول إلى انفجار اجتماعي واسع النطاق ضد الغلاء والسياسات الاقتصادية المنحرفة والظالمة والمجحفة والمستمرة.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن الدولة مطالبة بمراجعة شاملة لمنظومة الأجور والأسعار والتعليم، بدلاً من دفع الشباب نحو اليأس والهجرة، مما يهدد السلم الاجتماعي ويجعل من الاستقرار مجرد واجهة هشة تخفي وراءها بركاناً من الغضب والفقر المتراكم واليأس والإحباط الشعبي المتنامي.
ومن هذا المنطلق، يظهر أن التخلي عن دور الدولة في التوظيف هو اعتراف ضمني بالفشل في إدارة موارد البلاد، وتحويل المواطن إلى مجرد عبء مالي يجب التخلص منه، وليس كثروة بشرية يجب استثمارها لبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة والواعدة والمستحقة.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان على وعي المجتمع بمخاطر هذا التوجه غير المسؤول، وضرورة التكاتف لفرض سياسات اقتصادية بديلة تضع الإنتاج والتشغيل قبل الجباية، وتعيد الاعتبار للقطاع الخاص الحقيقي كشريك أصيل في التنمية الوطنية الشاملة والعادلة والناجحة والمستدامة والمنتجة والفاعلة.
وتأكيداً على ما سبق، فإن التاريخ لن يرحم كل من ساهم في تدمير الاقتصاد الوطني وتجويع الشعب المصري، وسيسجل بمداد من خزي أسماء المسؤولين الذين وقعوا على قرارات الإفقار والتهرب من المسؤولية، بينما ينعمون هم وعائلاتهم بخيرات البلاد المنهوبة والمحرمة.

