شهد السودان مرحلة هي الأخطر منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، مع تصاعد غير مسبوق للانتهاكات الإنسانية وتوسع رقعة العمليات العسكرية، في وقت تتوالى فيه التقارير المحلية والدولية التي توثق جرائم قتل واغتصاب وتهجير قسري واختفاءات واسعة النطاق، وسط تحذيرات أممية من تدهور الأوضاع إلى مستويات كارثية تهدد ملايين المدنيين.
وتتزامن التطورات الميدانية المتسارعة مع أزمة إنسانية خانقة تضرب مختلف أنحاء البلاد، فيما تتزايد الضغوط الدولية المطالبة بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تتواصل منذ أكثر من ثلاث سنوات.
دارفور تحت النار.. حرق قرى وتهجير جماعي في أورشي
يتصدر التصعيد العسكري في إقليم دارفور المشهد السوداني، حيث تتواصل الهجمات العنيفة على المناطق المدنية في شمال دارفور، وسط اتهامات لقوات الدعم السريع بتنفيذ عمليات حرق ممنهجة للقرى وتهجير السكان قسراً.
وفي منطقة خزان أورشي بمحلية أمبرو، تتواصل لليوم الرابع على التوالي عمليات عسكرية واسعة أسفرت عن إحراق ثماني قرى بشكل كامل ونهب الأسواق والممتلكات الخاصة، وفق إفادات محلية.
وقال الناطق الرسمي للمقاومة الشعبية بشمال دارفور، أبو بكر أحمد إمام، إن قوات الدعم السريع شنت هجوماً واسعاً مستخدمة آليات عسكرية وعناصر على ظهور الخيل والجمال، ما أدى إلى نزوح آلاف الأسر نحو المناطق المجاورة والوديان المفتوحة بحثاً عن الأمان.
وبحسب المصادر المحلية، أسفر الهجوم عن مقتل خمسة مدنيين على الأقل كحصيلة أولية، إلى جانب اختطاف عدد من السكان، فيما لا تزال القوات المهاجمة موجودة داخل المنطقة وتواصل عمليات إحراق المنازل وتدمير الممتلكات.
استهداف ممنهج للبنية التحتية
لا تقتصر الهجمات على القرى السكنية، إذ تؤكد تقارير محلية أن الاستهداف طال خزانات المياه والأسواق والمرافق الحيوية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء على قيد الحياة.
ويرى مراقبون أن تدمير مصادر المياه في مناطق الطينة وكرنوي وأمبرو وأورشي يمثل نمطاً متكرراً يهدف إلى إجبار السكان على النزوح الجماعي، خصوصاً بعد استهداف خزان باسو المائي الذي كان يوفر المياه لأكثر من مئة ألف نازح وسكان محليين.
من جانبه، اعتبر حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي أن ما يجري يأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى إحداث تغيير ديمغرافي واسع في الإقليم، عبر تفريغ مناطق كاملة من سكانها الأصليين.
أوضاع إنسانية متدهورة
وتتفاقم معاناة المدنيين الفارين من مناطق القتال، حيث يعيش آلاف النازحين في العراء تحت الأشجار دون مأوى أو غذاء أو خدمات صحية، بينما تعاني المرافق الطبية المحدودة أصلاً من عجز كامل عن استيعاب أعداد الجرحى والمصابين.
ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة تضاعف من حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها دارفور.
اتهامات خطيرة للدعم السريع بالاتجار بأعضاء المعتقلين
في تطور أثار صدمة واسعة، وجهت الحكومة السودانية اتهامات لقوات الدعم السريع بإدارة شبكة منظمة للاتجار بالأعضاء البشرية داخل مراكز احتجاز تقع تحت سيطرتها في دارفور.
وجاءت الاتهامات ضمن مذكرة رسمية رفعتها بعثة السودان لدى الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، تضمنت مزاعم بوقوع عمليات استئصال أعضاء من معتقلين وأسرى حرب داخل سجني دقريس في نيالا وشالا في الفاشر.
أكثر من 21 ألف محتجز
ووفق المذكرة، فإن السجنين يضمان ما يزيد على 21 ألف معتقل وأسير حرب، بينهم عسكريون ومدنيون ونساء وأطفال.
وتقول الحكومة إن المحتجزين يتعرضون لظروف احتجاز قاسية تشمل التعذيب والحرمان من العلاج والرعاية الصحية، فضلاً عن حالات وفاة متكررة نتيجة الجوع والأمراض والإصابات غير المعالجة.
كما تحدثت المذكرة عن تقارير تفيد بوجود عناصر طبية أجنبية يُشتبه في مشاركتها بعمليات استئصال أعضاء من بعض المعتقلين قبل دفنهم في مواقع عسكرية لإخفاء الأدلة.
مطالب بتحقيق دولي
ودعت الخرطوم الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية الدولية إلى فتح تحقيق عاجل ومستقل بشأن هذه الاتهامات، والعمل على زيارة أماكن الاحتجاز وتوفير الحماية للمعتقلين.
في المقابل، نفت مصادر من قوات الدعم السريع صحة هذه الاتهامات، معتبرة أنها جزء من الحرب الإعلامية والسياسية بين طرفي النزاع.
الأمم المتحدة: الطائرات المسيّرة والعنف الجنسي يحصدان أرواح المدنيين
على الصعيد الدولي، أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات جديدة بشأن تطور طبيعة الحرب في السودان، مؤكدة أن الصراع دخل مرحلة أكثر خطورة مع التوسع الكبير في استخدام الطائرات المسيّرة.
وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 شهدت مقتل أكثر من ألف مدني جراء هجمات نفذتها طائرات مسيرة في مناطق مختلفة من السودان.
وأوضح أن الحرب باتت تجمع بين القصف الجوي المكثف والانتهاكات الجنسية واسعة النطاق، في مشهد يعكس التدهور المستمر للوضع الإنساني والأمني.
وأشار تورك إلى أن منظمات الأمم المتحدة وثقت انتشاراً مقلقاً لحالات الاغتصاب والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، لافتاً إلى أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر من تداعيات الحرب المستمرة.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه المخاوف من توسع رقعة المجاعة والأوبئة في العديد من المناطق المتضررة.
توثيق عشرات الآلاف من جرائم الحرب والانتهاكات
في موازاة ذلك، كشفت اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والدولي الإنساني في السودان عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة التي خلفتها الحرب.
وأعلنت اللجنة توثيق أكثر من 30 ألف حالة قتل، إضافة إلى أكثر من ألفي حالة اغتصاب ونحو 15 ألف حالة احتجاز واختفاء قسري منذ اندلاع النزاع.
آلاف القضايا أمام المحاكم
وقالت النائبة العامة السودانية انتصار عبد العال إن السلطات سجلت ما يقارب 150 ألف دعوى جنائية مرتبطة بالانتهاكات المختلفة، بينما فصلت المحاكم في أكثر من عشرة آلاف قضية حتى الآن.
وأكدت أن السلطات السودانية تواصل جهودها لملاحقة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، بما في ذلك عناصر من القوات النظامية جرى رفع الحصانة عنهم تمهيداً لمحاكمتهم.
فضيحة داخل مخيمات اللاجئين.. "أطباء بلا حدود" تفصل 18 موظفاً
وفي تطور أثار استياء واسعاً داخل الأوساط الإنسانية، أعلنت منظمة **أطباء بلا حدود** فصل 18 موظفاً بعد تحقيقات استمرت عدة أشهر بشأن اتهامات بالاستغلال والاعتداء الجنسي على لاجئات سودانيات في مخيمات شرق تشاد.
وأكدت المنظمة أن التحقيقات أثبتت صحة عشرات الشكاوى المتعلقة بسوء السلوك والانتهاكات، ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات تأديبية فورية شملت إنهاء خدمات المتورطين ومنعهم من العمل مستقبلاً مع المنظمة.
وتسلط القضية الضوء على هشاشة أوضاع اللاجئات السودانيات اللواتي فررن من الحرب، حيث يواجهن مخاطر متعددة حتى داخل مخيمات اللجوء.
عودة أوروبية حذرة إلى الخرطوم
سياسياً، شهدت العاصمة السودانية تطوراً لافتاً بعقد سفراء دول الاتحاد الأوروبي أول اجتماع مشترك لهم في الخرطوم منذ اندلاع الحرب.
ويُنظر إلى الخطوة باعتبارها مؤشراً على محاولة المجتمع الدولي إعادة الانخراط المباشر في الملف السوداني، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية المتزايدة وتعثر الجهود السياسية الرامية لإنهاء النزاع.
وأكدت بعثة الاتحاد الأوروبي أن المساعدات الإنسانية ودعم مسار الانتقال السياسي يمثلان أولوية أساسية خلال المرحلة المقبلة، فيما دعت السلطات السودانية إلى زيادة الاهتمام بالاحتياجات الفعلية للمواطنين المتضررين من الحرب.
أزمة وقود خانقة تضرب العاصمة
اقتصادياً، تواصل الحرب إلقاء ظلالها الثقيلة على الحياة اليومية للسودانيين، حيث شهدت الخرطوم ومدن أخرى أزمة وقود حادة تسببت في اضطراب حركة النقل وارتفاع تكاليف المعيشة.
وخلال ذروة الأزمة، ارتفع سعر غالون البنزين في السوق السوداء إلى ما بين 27 ألفاً و30 ألف جنيه سوداني، ما أدى إلى تفاقم الأعباء على المواطنين والعاملين في قطاع النقل.
ويقول سائقون وأصحاب مركبات إنهم يضطرون لقضاء ساعات طويلة في طوابير الوقود أو التوقف عن العمل أياماً متتالية بسبب نقص الإمدادات، بينما انعكس الوضع على أسعار السلع والخدمات الأساسية.
ورغم تأكيد أصحاب محطات الوقود أن الأزمة بدأت تتجه نحو الانفراج التدريجي مع تحسن الإمدادات، فإن المخاوف لا تزال قائمة من عودة الاختناقات في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

