د. سعيد الحاج
باحث في الشأن التركي والقضية الفلسطينية والشؤون الإقليمية
حسم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تقديرات بلاده باحتمال شن "إسرائيل" هجومًا مباشرًا عليها بالقول إن "من يقودونها مجانين"، مؤكدًا على أن هذا الاحتمال قائم، على الأقل في ظل القيادة "الإسرائيلية" الحالية.
ورغم أن هذا التصريح جازم فيما يتعلق بتقديرات أنقرة، إلا أن هذا السيناريو يبقى غير مرجح في المدى المنظور بالنظر لأوراق القوة التركية التي تضعها حكومة نتنياهو في الحسبان، مثل قوتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية وعلاقاتها الغربية وعضويتها في حلف شمال الأطلسي "الناتو". وهذا، للمفارقة ما تتفق عليه الحكومة والمعارضة في دولة الاحتلال، حيث أشارت تصريحات لرئيس وزراء الاحتلال الأسبق نفتالي بينيت بأن "تركيا هي إيران الجديدة، تركيا أخطر" (يعني أخطر على "إسرائيل").
من بين العوامل المشار لها يُعتقد على نطاق واسع أن عضوية الناتو عامل أمان كامل لتركيا إزاء التهديدات "الإسرائيلية" وأنها تشكل رادعًا كافيًا لمنع أي عدوان عليها، لا سيما وأن "إسرائيل" ليست عضوة في الناتو. وهو ادعاء، في رأيي، مبالغ به وانطباعي إلى حد بعيد، أو نظريٌّ في أفضل الأحوال، إذ لا يستند إلى تقدير سليم أو منهجية صحيحة. واللافت أن القيادة التركية أيضًا لا ترى في الناتو حماية كاملة لها، بل تسعى بشكل حثيث لتأمين نفسها عبر مسارات أخرى.
لماذا نقول إن عضوية تركيا في الناتو ليست بالضرورة عامل وقاية وحماية كاملة لتركيا؟
في المقام الأول، ثمة صعوبة فنية وسياسية بالغة في تفعيل المادة رقم 5 من النظام الأساسي للحلف، والتي لم تفعّل إلا مرة واحدة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أي دعمًا للولايات المتحدة وضد منظمة مصنفة على قوائم الإرهاب بعد عملية هجوم مباشر على الأراضي الأمريكية، ما يعني حالة بالغة الوضوح، إلى جانب القائد الحقيقي للحلف، وبثمن غير كبير وفق المتوقع في حينه. أما دعم تركيا ضد "إسرائيل" في حال حصل اعتداء من الثانية على الأولى فقد لا يعني بالضرورة تفعيل المادة، بالنظر للتعقيدات المتوقعة التي لا تحتاج كثير شرح.
ثانيًا، اختبرت أنقرة تقاعسًا من الحلف في دعمها عام 2015، حين كاد إسقاطها لمقاتلة روسية من طراز سوخوي 24 أن يؤدي لمواجهة عسكرية مع موسكو. في حينه، لم يقدم الناتو الدعم الذي كانت تنتظره أنقرة، بل على العكس سحب الحلف منظومات صواريخ باتريوت من أراضيها على عكس رغبتها، وقال أمين عام الحلف في حينه ينس ستولتنبيرغ ما معناه إن التطور الحاصل "لا ينطبق على نص المادة رقم 5" من نظام الحلف الأساسي.
ثالثًا، قد تكون اليونان طرفًا في أي مواجهة محتملة بين "إسرائيل" وتركيا، ما يجعل حسابات الحلف أكثر تعقيدًا وموقفه أقرب للجمود، بسبب عضوية اليونان فيه. من الجيد في هذا السياق التذكير بأن تقرير "أكاديمية الاستخبارات الوطنية" التركية عن حرب الـ12 يومًا بين إيران و"إسرائيل"؛ كان قد دعا إلى ضرورة استعداد تركيا لاحتمال خوضها "مواجهة جوية على جبهتين متزامنتين"، ويقصد بهما اليونان من الغرب و"إسرائيل" من الجنوب.
رابعًا، استهداف "إسرائيل" لتركيا لن يكون بالضرورة على شاكلة حرب عسكرية مباشرة كما حصل مع إيران، بل قد يكون بأساليب غير تقليدية و/أو غير مباشرة، مثل الضغوط الاقتصادية والمنظمات الانفصالية والاغتيالات، أو مواجهة غير مباشرة في سوريا أو شرق المتوسط، ما قد يقف حائلًا أمام دعم الناتو.
خامسًا، يحمل بعض أعضاء الناتو نظرة سلبية لتركيا، إما بسبب الاختلافات الثقافية أو سعيها لاستقلالية نسبية عن الحلف في بعض القضايا كما حصل في الحرب الروسية-الأوكرانية. وبناء على ذلك، ترتفع بين الحين والآخر أصوات من داخل الحلف وخارجه تدعو لإخراجها منه أو تقلل من حاجته لها، كما حصل بعد انتهاء الحرب الباردة.
سادسًا، كل ما سبقَ نقاشٌ تحت سقف حلف الناتو القائم والفاعل، فما بالنا والحلف يواجه تحديات معقدة في ظل إدارة ترمب وتعمّق أزمة الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، والتوقعات المتشائمة بخصوص مستقبله بين الفشل والشلل وحتى الحل؟!
وفي الخلاصة، فإن تركيا لا ترى أن مجرد عضويتها في حلف الناتو يردع "إسرائيل" عن استهدافها، أو يحميها في حال حصل ذلك، لا اليوم ولا غدًا. ولذلك تعوّل أنقرة على عوامل أخرى؛ في مقدمتها تعزيز أوراق قوتها الذاتية وخصوصًا ما يتعلق بالاقتصاد والصناعات الدفاعية وتمتين الجبهة الداخلية، وتقوية علاقاتها مع القوى الكبرى وخصوصًا الولايات المتحدة، وتجنب الصدام أو تأجيله ما أمكن، وتعميق التعاون والتنسيق مع القوى الإقليمية وفي مقدمتها مصر والسعودية وباكستان، فضلًا عن العلاقات الثنائية المتميزة مع دول مثل قطر وأذربيجان.

