شهدت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان وسط السودان، منذ ساعات، هجمات دامية بطائرات مسيرة أسفرت عن مقتل 23 شخصا وإصابة 19 آخرين، وفق حصيلة أولية نقلتها مجموعة محامي الطوارئ ومصادر ميدانية.

 

وجاء الهجوم الجديد في مدينة استراتيجية تربط مناطق واسعة من السودان، بينما يتوسع استخدام الطائرات المسيرة في الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، ما يحول الأحياء السكنية إلى أهداف مفتوحة ويدفع المدنيين إلى مواجهة موت لا يملكون دفعه.

 

حي المطار تحت القصف وسقوط المنازل على ساكنيها

 

استهدفت الهجمات الجوية حي المطار الواقع شرق مدينة الأبيض، وهو حي سكني قريب من مواقع حيوية داخل المدينة، ما أدى إلى دمار واسع في منازل مدنيين وانهيار أسقف فوق ساكنيها خلال ساعات القصف.

 

وبحسب روايات شهود، تحولت المنطقة المستهدفة إلى مشهد مروع بعد سقوط القذائف من المسيرات، إذ وجد السكان أنفسهم أمام ركام منازل وجثث ومصابين، بينما حاول الأهالي إخراج الضحايا من تحت الأنقاض بإمكانات محدودة.

 

وأكدت مجموعة محامي الطوارئ أن الهجمات نفذتها طائرات مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع، واستمرت من مساء الأربعاء حتى صباح الخميس، في تصعيد عسكري وصفته مصادر حقوقية بأنه من بين الأكثر دموية في الأبيض.

 

وتكشف الحصيلة الأولية، التي بلغت 23 قتيلا و19 مصابا، أن الاستهداف لم يكن محدود الأثر، بل طال مناطق مأهولة بالسكان، وترك آثارا مباشرة على عائلات كانت داخل منازلها وقت وقوع الضربات.

 

كما نقلت مصادر طبية أن بين القتلى طفلين وامرأة، وهو ما يعزز المخاوف من أن الضربات أصابت تجمعات مدنية لا مواقع عسكرية فقط، في مدينة تعاني أصلا من ضغط الحرب ونقص الخدمات.

 

وتأتي خطورة الهجوم من موقع الأبيض نفسه، لأنها تعد مركزا مهما في شمال كردفان ومحطة استراتيجية بين مناطق سيطرة ونفوذ متنازعة، ولذلك أصبحت المدينة هدفا متكررا في حسابات الميدان العسكري.

 

غير أن هذه الأهمية لا تبرر تحويل الأحياء إلى ساحات قصف، لأن القانون الإنساني يلزم أطراف القتال بحماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والسكان، وهي قاعدة تبدو غائبة مع تمدد الضربات بالمسيرات.

 

وبينما يواصل السكان محاولة فهم ما جرى، يبقى حي المطار شاهدا على نوع جديد من الحرب في السودان، حيث يصل الموت من السماء دون إنذار كاف، ويترك المدنيين أمام دمار لا يملكون تفاديه.

 

مستشفى الأبيض يستقبل الضحايا وسط نقص الإمدادات

 

استقبل مستشفى الأبيض عشرات القتلى والمصابين بعد الهجمات، ودخل المرفق الصحي حالة استنفار قصوى للتعامل مع الإصابات، وسط ظروف طبية صعبة ونقص في المعدات والإمدادات اللازمة لإنقاذ الجرحى.

 

وأفادت مصادر طبية بأن بعض الإصابات خطيرة، ما يفتح الباب أمام ارتفاع حصيلة القتلى خلال الساعات التالية، خصوصا في ظل محدودية الموارد الطبية وتزايد الضغط على المستشفى الرئيسي في المدينة.

 

ثم زادت الكارثة تعقيدا لأن القصف لم يضرب الضحايا في لحظة واحدة فقط، بل ضرب قدرة النظام الصحي المحلي على الاستجابة، لأن المستشفيات في مناطق النزاع تعمل منذ شهور تحت ضغط نقص الدواء والوقود والكوادر.

 

وفي مثل هذه الظروف، يصبح كل جريح مهددا بمضاعفات قاتلة، ليس بسبب الإصابة وحدها، بل بسبب تأخر الإسعاف، وضعف إمكانات الجراحة، ونقص الدم، وصعوبة نقل الحالات الحرجة إلى مناطق أكثر أمنا.

 

وتشير شهادات ميدانية إلى أن الأهالي شاركوا في نقل المصابين، بينما بقيت فرق طبية تعمل تحت ضغط الخوف من استمرار تحليق المسيرات أو تجدد الضربات، ما يجعل عملية الإنقاذ نفسها محفوفة بالمخاطر.

 

كما يعكس وجود أطفال ونساء بين الضحايا طبيعة الثمن الإنساني للحرب، لأن العائلات لا تستطيع الاحتماء في مدينة تتكرر فيها الهجمات، ولا تجد ضمانة بأن المنازل أو الطرق أو المستشفيات ستظل خارج دائرة الاستهداف.

 

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، أدت الحرب في السودان منذ أبريل 2023 إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح الملايين، بينما تتسع رقعة الاحتياجات الإنسانية، وهو سياق يجعل كل هجوم جديد جزءا من كارثة وطنية ممتدة.

 

لذلك لا يمكن التعامل مع هجوم الأبيض كحادث منفصل، لأن المستشفى المرهق، والأحياء المنهارة، والجرحى الباحثين عن علاج، كلها حلقات في حرب أوسع تدمر قدرة المدن السودانية على حماية سكانها.

 

المسيرات توسع الحرب وتنشر الرعب بمدن السودان

 

يعكس هجوم الأبيض تصاعد الاعتماد على الطائرات المسيرة في الحرب السودانية، حيث تحولت هذه التقنية إلى أداة لضرب مواقع بعيدة، وإرباك المدن، وفرض ضغط ميداني على السكان والبنية التحتية.

 

وحذرت الأمم المتحدة في مايو 2026 من أن هجمات المسيرات أصبحت عاملا أساسيا في ارتفاع وفيات المدنيين بالسودان، وذكرت أن الضربات الجوية شكلت نسبة كبيرة من القتلى المدنيين بين يناير وأبريل.

 

ويعني ذلك أن ما حدث في الأبيض ليس استثناء، بل جزء من نمط يتكرر في كردفان ودارفور ومناطق أخرى، حيث تتسع قدرة الأطراف المتحاربة على القصف عن بعد دون تماس مباشر مع السكان.

 

كما تزيد المسيرات من صعوبة الحياة اليومية داخل المدن، لأنها تمنع الحركة، وتعطل الأسواق، وتربك المستشفيات، وتدفع السكان إلى البقاء داخل منازل لا توفر حماية حقيقية إذا تحولت الأحياء إلى أهداف.

 

وفي الأبيض، يفاقم استمرار التهديد الجوي شعور السكان بحصار غير معلن، لأن المدينة لا تحتاج إلى إغلاق رسمي كي تختنق، بل يكفي أن تخاف العائلات من الخروج وأن تتوقع القصف في أي لحظة.

 

وتتسع المخاوف مع استمرار تدفق السلاح وتطور قدرات الأطراف المتحاربة، لأن دخول المسيرات إلى صلب المعارك يجعل خطوط القتال أقل وضوحا، ويدفع مناطق مدنية بعيدة نسبيا إلى دائرة الخطر المباشر.

 

ومن الناحية الإنسانية، يطالب هذا التصعيد بتحرك عاجل لحماية المدنيين ووقف الهجمات على الأحياء السكنية، لأن استمرار القصف يهدد بتفريغ مدن كاملة من سكانها ويدفع موجات نزوح جديدة داخل السودان.

 

كما يحتاج ملف المسيرات إلى رقابة دولية أكثر صرامة على توريد الأسلحة والتقنيات العسكرية، لأن استخدام هذه الأدوات في مناطق سكنية يرفع كلفة الحرب على المدنيين ويطيل أمد الصراع بلا حسم سياسي.

 

وتبقى مدينة الأبيض اليوم أمام اختبار قاس، فإما أن تتحرك الجهود السياسية والحقوقية لوقف استهداف المدنيين، وإما أن تتحول عاصمة شمال كردفان إلى نموذج جديد لمدن سودانية ينهشها القصف من السماء.

 

وتنتهي حصيلة 23 قتيلا و19 مصابا إلى إدانة مباشرة للحرب التي تبتلع المدنيين في السودان، لأن المسيرات لم تضرب هدفا عسكريا واضحا في ذاكرة السكان، بل هدمت بيوتا ودفنت عائلات وأدخلت المدينة في رعب طويل.