قدّم النائب أيمن محسب، عضو مجلس النواب، طلب إحاطة موجها إلى رئيس الوزراء ووزارات التنمية المحلية والبيئة والبترول، بسبب ظهور بقعة زيتية بطول 150 مترا بشاطئ الجبيل بمدينة طور سيناء.

 

وطالب محسب الحكومة بكشف مصدر التلوث ومحاسبة المتسببين وتعزيز حماية البيئة البحرية، بعدما أثارت الواقعة قلقا واسعا بشأن سلامة الشواطئ والثروة السمكية والشعاب المرجانية في منطقة تعتمد على السياحة والطبيعة.

 

 

بقعة الجبيل تكشف سؤال المصدر لا سرعة التنظيف

 

أوضح محسب في طلبه أن ظهور بقعة زيتية بطول يقدر بنحو 150 مترا على شاطئ الجبيل في طور سيناء أثار مخاوف جدية من مخاطر التلوث البحري على الساحل.

 

وأشار النائب إلى أن الواقعة لا تخص شاطئا محليا فقط، لأنها وقعت داخل محافظة جنوب سيناء التي تضم مقاصد سياحية وبيئية تتطلب حماية مشددة للموارد الطبيعية والبيئة الساحلية.

 

وبحسب ما جرى تداوله محليا، تحركت الجهات المختصة للسيطرة على البقعة ومنع انتشارها ورفع آثار التلوث، لكن التحرك السريع لا يعفي الحكومة من كشف مصدر الزيت.

 

لذلك ركز طلب الإحاطة على سؤال جوهري، وهو تحديد الجهة أو الشركة أو النشاط الملاحي أو البترولي الذي تسبب في البقعة، لأن إزالة الأثر لا تغلق ملف المسؤولية.

 

كما طالب محسب بإعلان نتائج الفحوص والتحاليل الخاصة بالعينات التي سحبت من البقعة الزيتية، حتى لا تتحول الواقعة إلى إجراء ميداني ينتهي دون اسم للمخالف.

 

وفي هذا المحور، يخدم موقف الدكتور عماد الدين عدلي، المنسق العام للشبكة العربية للبيئة والتنمية، فكرة الرقابة المجتمعية، لأن حماية الموارد الطبيعية تحتاج إفصاحا عاما لا بيانات قصيرة.

 

ومن هنا تزداد أهمية طلب الإحاطة، لأن الحكومة مطالبة بتقديم بيان تفصيلي لمجلس النواب حول ملابسات الحادث، ونتائج التحقيقات، والإجراءات التي اتخذت لملاحقة المتسبب.

 

وبخلاف رواية السيطرة السريعة، يبقى الخطر الحقيقي في تكرار الواقعة إذا لم تعرف الجهات المسؤولة عن تسرب الزيت، ولم تطبق عقوبات رادعة على المخالفين.

 

ولهذا تصبح بقعة الجبيل اختبارا لمنظومة الرقابة البحرية، لأن الشاطئ الذي يسهل تنظيفه اليوم قد يصبح نقطة تلوث متكررة إذا غابت المتابعة الاستباقية.

 

 

البحر الأحمر ليس حقل تجارب للتلوث

 

أكد محسب أن أهمية الملف تتزايد بسبب القيمة البيئية والاقتصادية والسياحية للبيئة البحرية في البحر الأحمر وخليج السويس، وهي قيمة لا تتحمل التساهل مع المخلفات والزيوت.

 

وتضم هذه المنطقة موارد طبيعية حساسة، بينها الشعاب المرجانية والثروة السمكية والشواطئ السياحية، ولذلك فإن أي تلوث زيتي قد يضرب البيئة والرزق المحلي وسمعة المقصد السياحي معا.

 

كما يطرح الحادث تساؤلات حول التزام السفن والمنشآت العاملة في المناطق البحرية والأنشطة البترولية بالاشتراطات البيئية، وبالقواعد المنظمة للتعامل مع المخلفات والزيوت داخل البحر.

 

ويخدم رأي الدكتور محمود حنفي، أستاذ البيئة البحرية بجامعة قناة السويس والمستشار العلمي لجمعية هيبكا، هذا المحور، لأن دراساته وتصريحاته تؤكد حساسية الشعاب المرجانية في البحر الأحمر.

 

وبناء على هذه الخلفية، لا يمكن التعامل مع البقعة الزيتية باعتبارها حادثا محدودا فقط، لأن الزيت يهدد الكائنات البحرية والطيور والشاطئ، وقد يترك أثرا يتجاوز مساحة الرصد الأولى.

 

ثم إن خليج السويس يشهد أنشطة بترولية وملاحية مكثفة، ما يفرض على الحكومة واجبا مضاعفا في المراقبة والفحص وتتبع حركة السفن والمنشآت ومصادر التصريف المحتملة.

 

وفي منطقة تعتمد على السياحة الساحلية، لا يكفي أن تطمئن السلطات المواطنين بأن البقعة محدودة، لأن السائح والمستثمر والصياد يحتاجون ضمانات علمية معلنة لا عبارات تهدئة.

 

كذلك تمثل الثروة السمكية جزءا من معيشة مجتمعات ساحلية، وأي تسرب زيتي قد يضر مصادر الرزق، حتى إذا بدا محدودا في اليوم الأول من ظهوره، ومن ثم، تحتاج الحكومة إلى نشر نتائج العينات بشفافية، وشرح طبيعة المادة الزيتية، وهل ترتبط بوقود سفن أو مخلفات تشغيل أو نشاط بترولي قريب.

 

وتزداد خطورة الصمت عندما تتحول صور التلوث إلى مادة متداولة على المنصات، بينما تتأخر الرواية الرسمية العلمية التي تقدم معلومات دقيقة وتمنع الشائعات وتحاسب الفاعل.

 

 

محاسبة الملوث تبدأ من الرصد المبكر

 

وطالب محسب وزارتي البيئة والبترول بوضع خطة واضحة لتعزيز منظومة الرقابة والرصد البحري، ومنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلا، بما يحمي البيئة البحرية والسياحة والموارد الطبيعية.

 

وتعني هذه المطالبة أن الأزمة لا تقف عند تنظيف شاطئ الجبيل، بل تمتد إلى كفاءة منظومة الرصد المبكر، وقدرة الدولة على التقاط التلوث قبل وصوله للشاطئ.

 

كما تفرض الواقعة سؤالا عن التنسيق بين وزارة البيئة ووزارة البترول ومحافظة جنوب سيناء وهيئة الموانئ والجهات البحرية، لأن التلوث الزيتي يتنقل ولا يعترف بالحدود الإدارية.

 

وفي هذا السياق، يدعم طرح الدكتور أحمد محمد مانع، أستاذ القانون الدولي العام المساعد، أهمية المساءلة القانونية، لأن دراساته حول حماية البيئة البحرية تؤكد مسؤولية الدول عن ردع الملوثين.

 

وبذلك يصبح المطلوب تحقيقا معلنا لا مجرد إزالة آثار البقعة، لأن القانون البيئي لا يكتفي بالتنظيف بعد الضرر، بل يفرض تحديد المسؤولية ومنع التكرار والتعويض.

 

كما يجب أن تكشف الحكومة ما إذا كانت السفن والمنشآت البحرية والبترولية القريبة خضعت للمراجعة، وهل تمت مطابقة البصمة الكيميائية للعينة مع مصادر محتملة داخل المنطقة.

 

ومن الضروري أيضا إعلان الجهة التي تلقت البلاغ، ووقت الاستجابة، والأدوات المستخدمة في الاحتواء، وحجم العينة المسحوبة، والجهة المعملية التي تتولى التحليل والفحص.

 

وبدون هذه التفاصيل، ستبقى الواقعة معلقة بين وصفها بالتلوث المحدود وبين احتمالات أكبر تتعلق بسفن ومخلفات ومنشآت، وهو فراغ معلوماتي تتحمله الحكومة وحدها.

 

 

مراجعة إجراءات السلامة البيئية

 

وعلى مستوى البرلمان، يمنح طلب الإحاطة فرصة لإجبار الحكومة على تقديم مستندات لا عناوين، خصوصا أن محسب طلب بيانا تفصيليا حول ملابسات الحادث والتحقيقات.

 

كما يفرض الملف على وزارة البترول مراجعة إجراءات السلامة البيئية حول مناطق العمل والتداول والنقل، لأن أي تسرب من نشاط بترولي يضاعف كلفة التراخي الرقابي.

 

وفي المقابل، يجب على وزارة البيئة أن توضح للرأي العام كيف تعمل منظومة الرصد البحري، وما إذا كانت تعتمد على بلاغات المواطنين أم تمتلك أدوات مراقبة مستمرة.

 

وتحتاج محافظة جنوب سيناء إلى إعلان خطة محلية لمراقبة الشواطئ الحساسة، خاصة أن طور سيناء تقع ضمن نطاق بيئي وسياحي لا يحتمل تكرار بقع الزيت.

 

وتكشف الواقعة أن حماية البحر الأحمر لا تتحقق بالمؤتمرات ولا بالحديث عن السياحة البيئية فقط، بل بقدرة الأجهزة المختصة على ضبط الملوث وإعلان اسمه للرأي العام.

 

لذلك تبقى مطالبة محسب بمحاسبة المتسببين هي قلب القضية، لأن البحر لا يحتاج بيانات تهدئة بقدر ما يحتاج منظومة تمنع التلوث وتردع من يلوث.

 

وفي النهاية، لا تختبر بقعة الجبيل سرعة إزالة الزيت من الرمال فقط، بل تختبر جدية الحكومة في حماية البحر الأحمر، وكشف المتسبب، ومحاسبة كل نشاط يعبث بالشواطئ.

 

ويبقى الرد الحكومي المنتظر أمام مجلس النواب هو الفيصل، فإما أن تعلن الحكومة نتائج العينات والمسؤوليات والإجراءات، وإما أن تتحول البقعة الصغيرة إلى دليل كبير على رقابة رخوة.