كشف تقرير نشرته منصة متصدقش عن خيط اقتصادي جديد في قضية صبري نخنوخ، إذ ربط بين تجدد عروض الاستحواذ على شركة فالكون للأمن والحراسة وبين القبض عليه لاحقًا، بعد خلاف على تقييم مالي للشركة التي يملكها ويرأس مجلس إدارتها.
ويفتح التقرير بابًا أوسع من ملف المشاجرة والأسلحة والآثار وغسل الأموال، لأنه يضع شركة أمنية كبرى في مركز الصراع، ويطرح سؤالًا حساسًا حول علاقة النفوذ الاقتصادي بالأمن الخاص وتحولات الملكية داخل قطاعات قريبة من الدولة.
عرض سيادي وتقييم مالي يشعل الخلاف
بحسب متصدقش، تجدد خلال الأشهر الأولى من عام 2026 عرض قدمه صندوق مصر السيادي ووسطاء إلى صبري نخنوخ للاستحواذ على فالكون، بعد عرض سابق في أبريل 2025، لكن الخلاف حول تقييم الشركة عطل الصفقة.
وذكر التقرير أن العرض المقدم لنخنوخ بلغ ما يوازي 25% من القيمة التي دفعها عند شراء أسهمه وسداد مديونية الشركة، بينما تمسك نخنوخ بتقييم يقترب من القيمة السوقية الحالية التي قدرها بنحو 800 مليون جنيه.
ويعني هذا الفارق أن النزاع لم يكن على مبدأ البيع وحده، بل على سعر التخارج من شركة أعيدت هيكلتها خلال السنوات الأخيرة، وتوسعت في سوق الأمن والحراسة ونقل الأموال والخدمات الفنية.
كما أشار التقرير إلى طرح مسارين خلال المفاوضات، الأول يقوم على استحواذ صندوق مصر السيادي بشكل مباشر، والثاني يقوم على انتقال أغلبية الأسهم إلى مستثمرين آخرين بسبب حساسية دخول شركة أمن وحراسة ضمن استثمارات الصندوق.
وفي الحالتين، تحدث التقرير عن تصور لنقل رئاسة مجلس الإدارة من نخنوخ إلى قيادة سابقة في القوات المسلحة وأخرى في وزارة الداخلية، بحيث يتولى أحدهما رئاسة المجلس ويتولى الآخر منصب النائب.
تلك التفاصيل تجعل فالكون أكثر من شركة خاصة، لأنها تعمل في مجال شديد الحساسية، وترتبط بخدمات أمنية وحراسة ونقل أموال وأنظمة فنية، وهو قطاع لا ينفصل عمليًا عن شبكات النفوذ والاتصال بالمؤسسات.
قصة فالكون من المديونية إلى شركة مطلوبة
استحوذ نخنوخ على فالكون في عام 2023، بحسب التقرير، بعدما دفع مديونية تراوحت بين 120 و150 مليون جنيه، ثم ضخ استثمارات جديدة وأجرى توسعات وإعادة هيكلة عززت مركز الشركة المالي والتشغيلي.
وتضم فالكون سبع شركات تعمل في خدمات الأمن، ونقل الأموال، والأنظمة الفنية والأمنية، والخدمات العامة وإدارة المشروعات، والعلاقات العامة، والشحن، والدفع الإلكتروني، ما يمنحها حضورًا واسعًا في أكثر من نشاط مرتبط بالأمن والخدمات.
ولذلك ربط التقرير بين توسع الشركة وبين تجدد الاهتمام بالاستحواذ عليها، خصوصًا أن قطاع الأمن الخاص في مصر لا يتحرك كقطاع تجاري عادي، بل يقع عند تقاطع المال والمعلومات والحراسة والمنشآت الحساسة.
وبحسب متصدقش، لم يرفض نخنوخ البيع من حيث المبدأ، لكنه تمسك بأن يعكس أي اتفاق القيمة التي وصلت إليها الشركة بعد الاستثمارات وزيادة رأس المال، أو على الأقل قيمة ما دفعه عند الاستحواذ عليها.
هذا التمسك بالتقييم المالي أعاد إلى الأذهان، وفق قراءة التقرير، نماذج سابقة لصدام رجال أعمال مع ضغوط نقل ملكيات أو حصص إلى جهات أو مستثمرين قريبين من السلطة، كما جرى في ملفات اقتصادية أخرى.
غير أن هذا الربط يبقى في نطاق ما أورده التقرير الاستقصائي، بينما تتحرك النيابة العامة رسميًا في مسار اتهامات جنائية ومالية منفصلة تشمل البلطجة وحيازة الأسلحة والآثار وغسل الأموال.
من المشاجرة إلى التحفظ وغسل الأموال
بدأ المسار القضائي المعلن بعد بلاغ من صاحب معرض سيارات اتهم نخنوخ وآخرين باقتحام المعرض على خلفية خلافات مالية، والتعدي على أحد العاملين، والاستيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة، وفق بيان النيابة.
وأوضحت النيابة أن التفتيش أسفر عن ضبط وحدة التسجيل المبلغ بسرقتها، وبندقيتين آليتين ورشاش وطبنجة وأسلحة صوت وضغط هواء وكمية ذخيرة قاربت الألف طلقة وخمسة أجهزة اتصال غير مرخصة وعشر قطع أثرية.
كما قررت النيابة حبس نخنوخ 4 أيام احتياطيًا على ذمة التحقيقات، ثم جددت المحكمة المختصة حبسه 15 يومًا، بالتزامن مع فحص هواتف ومقار ومضبوطات كشفت عنها التحقيقات الأولية.
وفي تطور لاحق، قررت النيابة التحفظ على أموال وممتلكات نخنوخ وخمسة متهمين آخرين، ومنعهم من التصرف فيها، ضمن تحقيقات مالية قالت إنها تتعلق بتتبع عائدات أنشطة إجرامية وغسل أموال.
وقالت النيابة إن تحريات جهات البحث توصلت إلى لجوء المتهمين إلى غسل أموال متحصلة من نشاط إجرامي عبر أساليب تستهدف إخفاء طبيعتها وقطع صلتها بمصدرها غير المشروع.
وتضع هذه التطورات رواية متصدقش في مواجهة رواية رسمية شديدة الثقل، فالأولى تفتح زاوية صراع على فالكون، والثانية تبني ملفًا جنائيًا حول السلاح والآثار والبلطجة وغسل الأموال.
لكن اجتماع التوقيتين يرفع حساسية القضية، لأن عرض الاستحواذ المرفوض، ثم القبض، ثم التحفظ، ثم استهداف شبكة الأصول، كلها وقائع تجعل ملف نخنوخ أكبر من مشاجرة معرض سيارات.
وفي النهاية، تكشف قضية فالكون أن سقوط نخنوخ لا يدور فقط حول رجل مثير للجدل، بل حول شركة أمنية كبرى، وملكية حساسة، وأموال متحركة، وسؤال مفتوح عن حدود القوة بين رجال الأعمال ومن يملك حق السيطرة على مفاتيح الأمن الخاص في مصر.

