تترقب وزارة الموارد المائية والري في مصر الأيام العشرة الأولى من أغسطس لمتابعة أمطار منابع النيل، بعدما أصبحت الفترة حاسمة لتقدير نحو 50% من إيراد النيل الأزرق وتحديد الضغوط المنتظرة على الأمن المائي. ويكشف هذا الانتظار السنوي هشاشة إدارة ملف يمس حياة أكثر من 100 مليون مواطن، بعدما تركت السلطة تدفقات النهر رهينة الأمطار وقرارات إثيوبيا المنفردة، دون انتزاع اتفاق ملزم يحمي المياه والزراعة والغذاء. وبداية، سجلت أمطار الهضبة الإثيوبية خلال يونيو مستويات أعلى من المتوسطات المعتادة، قبل أن تتراجع بصورة ملحوظة في يوليو، ما دفع الجهات المصرية إلى تكثيف المتابعة اليومية للتدفقات القادمة من النيل الأزرق وعطبرة. وبالتالي، تكتسب الأيام الأخيرة من يوليو والأولى من أغسطس أهمية استثنائية، لأنها تشهد عادة ذروة الأمطار على المنابع الإثيوبية، وتقدم المؤشر الأكثر وضوحًا بشأن تصنيف الموسم بين مرتفع أو متوسط أو ضعيف الإيراد. كما أن تغير مناسيب النيل داخل السودان خلال الأسابيع الماضية زاد المخاوف المصرية، بعدما أظهرت بعض المناطق انخفاضًا في المياه، غير أن الخبراء يحذرون من إصدار حكم نهائي قبل اكتمال ذروة الموسم خلال أغسطس. وفي المقابل، لا ترتبط الأزمة بالمناخ وحده، لأن سد النهضة أصبح يتحكم في توقيتات مرور المياه وكمياتها، بينما تواصل إثيوبيا تشغيله دون قواعد متفق عليها، بما يضاعف صعوبة التخطيط المصري لمواجهة الجفاف أو الفيضان. أغسطس يحسم الإيراد ويرى أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين أن يوليو وأغسطس يمثلان ذروة موسم الفيضان، موضحًا أن الأمطار تبدأ محدودة خلال يونيو، ثم تزداد تدريجيًا وتستمر آثارها على تدفقات النهر حتى ديسمبر. ومن ناحية أخرى، يحذر نور الدين من أن تراجع أمطار الهضبة الإثيوبية قد ينذر بموسم أقل من المتوسط، خصوصًا إذا استمر الانخفاض خلال أغسطس، بما قد يضغط على المخزون المائي ويزيد الاعتماد على بحيرة ناصر. وعلاوة على ذلك، يوفر النيل الأزرق الجزء الأكبر من المياه الواصلة إلى مصر، فيما تسهم روافد أخرى، بينها نهر عطبرة والنيل الأبيض، في تشكيل الإيراد النهائي الذي يصل إلى السد العالي عبر الأراضي السودانية. وبناءً على ذلك، فإن أي انخفاض ملحوظ في أمطار الحوض الأزرق ينعكس مباشرة على حجم التدفقات، إلا أن أثره داخل مصر يتوقف أيضًا على حجم المخزون المتاح وسياسات التصريف واحتياجات الزراعة والكهرباء والاستخدام المنزلي. ومع ذلك، لا تكشف الحكومة بصورة دورية عن الحجم الفعلي للمخزون داخل بحيرة ناصر، مكتفية بتأكيد قدرتها على إدارة مختلف السيناريوهات، وهو غموض يحرم المواطنين والخبراء من تقييم حقيقة الوضع المائي والاحتياطي المتبقي. ولهذا، تتحول التطمينات الرسمية إلى عبارات عامة لا يمكن اختبارها، بينما تظل بيانات الأمطار والتدفقات والتخزين محاطة بالسرية، رغم أن آثار أي نقص ستظهر في الأراضي الزراعية وأسعار الغذاء وفرص عمل ملايين الفلاحين. وفوق ذلك، تمتلك بحيرة ناصر سعة تخزينية كلية تقارب 162 مليار متر مكعب، لكنها لا تمثل كلها مياهًا قابلة للاستخدام، بسبب التخزين الميت ومساحات الحماية من الفيضانات وفواقد البخر السنوية المرتفعة في جنوب مصر. سد بلا اتفاق أما أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية عباس شراقي، فيؤكد أن سد النهضة غيّر حركة النيل الأزرق، بعدما أصبحت المياه تمر عبر التوربينات والمفيضات الإثيوبية بدل تدفقها الطبيعي، ما يجعل قرارات التشغيل عاملًا مباشرًا في المناسيب السودانية. ومن ثم، لم تعد وفرة الأمطار وحدها كافية لضمان وصول المياه في مواعيدها المعتادة، إذ تستطيع إثيوبيا تخزين جزء من التدفقات أو تمرير كميات مفاجئة، بما يربك تشغيل السدود السودانية وخطط إدارة المياه المصرية. إضافة إلى ذلك، كشفت تقلبات السنوات الماضية أن الإدارة الأحادية قد تنتج خطرين متناقضين، أولهما حجز المياه خلال فترات الجفاف، وثانيهما تمرير تدفقات كبيرة بصورة مفاجئة عند امتلاء البحيرة أو تعطل بعض وحدات التشغيل. وفي الوقت ذاته، فشلت جولات التفاوض الممتدة منذ أكثر من عقد في إنتاج اتفاق قانوني ينظم الملء والتشغيل وتبادل البيانات، بينما اكتفت القاهرة بالاحتجاجات والبيانات، حتى فرضت أديس أبابا السد المكتمل أمرًا واقعًا على دولتي المصب. غير أن الخطاب الرسمي المصري يكرر أن الدولة تتابع الموقف لحظة بلحظة، من دون توضيح الأدوات المتاحة لمنع الضرر، أو كيفية إلزام إثيوبيا بتنسيق التصريفات خلال سنوات الجفاف الممتد أو مواسم الأمطار شديدة الغزارة. وعندئذ، تبدو المتابعة التقنية بديلًا ضعيفًا عن الحل الملزم، لأنها تسمح لمصر برصد ما حدث بعد وقوعه، لكنها لا تمنحها حق المشاركة في القرار أو ضمان الحصول على المعلومات الإثيوبية قبل تنفيذ إجراءات التخزين والتصريف.
كذلك، يدفع السودان ثمنًا مباشرًا لهذا الغياب، لأن سد الروصيرص يقع بعد سد النهضة مباشرة، وتؤثر التغيرات المفاجئة في التدفقات على تشغيله ومحطات مياه الشرب والزراعة وسلامة السكان المقيمين قرب مجرى النيل الأزرق. فجوة تهدد المصريين وبحسب وزير الري الأسبق محمد نصر علام، يحتاج التعامل مع سد النهضة إلى قواعد واضحة تحفظ حقوق دول المصب وتمنع الضرر الجسيم، لأن الاعتماد على حسن النوايا الإثيوبية لا يوفر ضمانة كافية لأمن مصر المائي. لذلك، تزداد خطورة الموسم الحالي مع اتساع الفجوة بين الموارد المائية المتاحة، التي تقدر بنحو 60 مليار متر مكعب سنويًا، والاحتياجات التي تبلغ نحو 114 مليارًا، بما يترك عجزًا سنويًا يقارب 54 مليارًا. إلى جانب ذلك، تعتمد مصر على نهر النيل في نحو 90% من مواردها المائية المتجددة، ما يجعل أي اضطراب في التدفقات قضية تمس مياه الشرب والزراعة والصناعة والطاقة، ولا يمكن تعويضه بسهولة عبر مصادر داخلية محدودة. وفي هذا الإطار، تسد الحكومة جانبًا من العجز بإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية، إلى جانب استيراد محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، وهي حلول تخفف الأزمة لكنها لا تصنع موردًا متجددًا بديلًا للنيل. وموازاة مع ذلك، ضخت الدولة مليارات الدولارات في محطات المعالجة والتحلية وتبطين الترع، إلا أن مشروعات التحلية تظل باهظة التكلفة ومناسبة أساسًا للمدن الساحلية، ولا تستطيع توفير الكميات الضخمة التي تحتاجها الزراعة المصرية سنويًا. إزاء ذلك، يتحمل المواطن نتائج سوء الإدارة عبر ارتفاع أسعار الغذاء وتقليص بعض الزراعات وتراجع نصيب الفرد من المياه، بينما تتجنب السلطة فتح نقاش عام حول حصيلة مفاوضاتها وخططها لمواجهة سنوات الجفاف المحتملة. وأخيرًا، ستكشف أمطار أغسطس طبيعة الموسم الحالي، لكنها لن تحل الأزمة الأصلية المتمثلة في غياب اتفاق ملزم، لأن وفرة الفيضان قد تؤجل الخطر عامًا، بينما يبقى أمن مصر المائي خاضعًا لقرارات إثيوبية منفردة. وفي المحصلة، لا يجوز تقديم السد العالي باعتباره حماية أبدية، فالمخزون يمكنه امتصاص الصدمات المؤقتة لكنه يتراجع مع توالي السنوات الضعيفة، ما يفرض شفافية كاملة وتحركًا حقيقيًا قبل تحول القلق السنوي إلى عطش دائم.

