كشفت مصادر صحفية مطلعة تفاصيل برنامج الدعم النقدي في مصر، إذ تستعد الحكومة لتطبيقه من أول يوليو 2026، مع استبعاد ما بين 10 و12 مليون مواطن من منظومة يستفيد منها حاليًا نحو 68 مليونًا.
وتضع الحكومة القرار داخل خطاب تحسين الكفاءة، لكن جوهره الاجتماعي المباشر يعني نقل ملايين الأسر من حق ثابت في الخبز والسلع إلى بطاقة مشروطة، قابلة للمراجعة والاستبعاد، في ذروة ضغط الأسعار على الغذاء والدخل.
بطاقة ذكية بدل الدعم العيني: خيارات أكثر ومظلة أضيق
بحسب التفاصيل المتاحة، لن يحصل المواطن على أموال مباشرة، بل ستضع الدولة قيمة الدعم على بطاقة ذكية تتيح شراء السلع من منظومة تموينية موسعة، وهو ما يمنح الحكومة تحكمًا أكبر في الصرف.
وتقول المصادر إن قائمة السلع سترتفع إلى 30 سلعة بدلًا من القائمة الحالية، وستتضمن اللحوم والدواجن، بما يسمح للأسرة بالاختيار بين باقات أقرب إلى نموذج شنطة رمضان، لا إلى دعم مفتوح.
غير أن هذا التوسع في عدد السلع لا يلغي الرقم الأشد أثرًا، لأن البرنامج يخفض عدد المستفيدين من نحو 68 مليون مواطن إلى نحو 58 مليونًا، بعد مراجعة بيانات الأسر وفق معايير لم تعلن كاملة.
وبذلك يتحول تحسين الاختيار إلى مدخل إداري لتقليص التغطية، لأن المواطن الذي يبقى داخل المنظومة سيحصل على بطاقة أوسع، بينما المواطن الذي يخرج منها سيفقد الحد الأدنى من حماية الغذاء.
وتحدد التقديرات الأولية قيمة الدعم بين 300 و350 جنيهًا للفرد شهريًا، بما يعني 1200 إلى 1400 جنيه للأسرة المكونة من 4 أفراد، وهي قيمة ستصبح اختبارًا يوميًا أمام أسعار الغذاء المتحركة.
كما تقسم الحكومة المستفيدين إلى 4 درجات، تحصل الدرجة الأولى على الدعم كاملًا، بينما تقف الدرجة الأخيرة عند حافة الخروج من المنظومة، مع فتح باب التظلمات لمن يطعن على قرار الاستبعاد.
تآكل القيمة: الدعم النقدي يدخل السوق قبل أن يضبط الأسعار
تطرح الحكومة آلية لحساب معدل التضخم عند زيادته، لكن هذه الصياغة لا تضمن تعويضًا فوريًا للأسر، لأن الأسعار تتحرك يوميًا بينما قرارات المراجعة الحكومية تحتاج دورات إدارية وموازنات واعتمادات.
ويحذر الدكتور جودة عبدالخالق، أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق، من التحول في ظل غياب استقرار الأسعار وقاعدة بيانات دقيقة، معتبرًا أن الدعم النقدي قد يكون مناسبًا فقط عندما تمتلك الدولة أدوات ضبط حقيقية.
وتخدم ملاحظة عبدالخالق جوهر الأزمة، لأن الحكومة تضع المواطن أمام بطاقة رقمية، بينما تترك السوق للمضاربة وارتفاعات الغذاء، ثم تطلب من الأسرة أن تثق في رقم قد يفقد قيمته خلال أسابيع.
وفي السياق نفسه، يؤكد وائل جمال، رئيس وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن قيمة الدعم النقدي ترتبط غالبًا بقدرات الدولة المالية لا باحتياجات الفقراء الحقيقية.
وهذا الربط يكشف خطورة البرنامج الجديد، لأن الأسرة لا تشتري غذاءها من بيان حكومي، بل من سوق لا ينتظر تحديث قواعد البيانات ولا يراعي أن قيمة 350 جنيهًا اليوم قد لا تعني الشيء نفسه غدًا.
وتضيف كتابات الباحثة الاقتصادية سلمى حسين زاوية أخرى، إذ رصدت أن الحكومة قلصت وزن رغيف الخبز عدة مرات قبل رفع سعره، بما يعني أن الدعم تآكل فعليًا حتى قبل إعلان التحول النقدي.
ومن ثم لا يبدأ القرار من نقطة صفر، بل يأتي بعد سنوات من تقليل نصيب المواطن من الخبز والسلع، ثم يقدم التحول النقدي كحل فني لمشكلة صنعتها سياسات التقشف وضعف الرقابة.
خطاب الكفاءة يخفي فاتورة الخروج من الدعم
قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن الحكومة لا تستهدف تقليل الدعم، بل رفع كفاءته، وربط القرار بما وصفه بعدم كفاءة منظومة دعم الخبز الحالية بنسبة تصل إلى 25%.
لكن الحكومة لم تشرح لماذا يدفع المواطن ثمن عدم الكفاءة، ولماذا تتحول مشكلة التسرب والفساد والرقابة إلى حذف واسع للمستفيدين، بدل محاسبة حلقات الهدر داخل منظومة الإنتاج والتوزيع.
وبينما يتحدث مدبولي عن شرائح أكثر احتياجًا، يفتح البرنامج الباب أمام مراجعات مستمرة تدخل مواطنين وتخرج آخرين، وهو ما يحول الدعم من حق اجتماعي مستقر إلى حالة إدارية قابلة للتعليق.
كما أن فتح باب التظلمات لا يعالج أثر الخروج الفوري، لأن الأسرة المستبعدة ستبدأ تحمل تكلفة السلع كاملة قبل أن تنظر الجهة المختصة في طلبها، وفي هذه الفجوة يتراكم الدين والعجز الغذائي.
وتشير ورقة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن التحول الكامل إلى الدعم النقدي في ظروف التضخم المرتفع يزيد الفقر ويهدد الأمن الغذائي، لأنها ترى أن الدعم السلعي يوفر حدًا أدنى من الحماية.
وتكمن خطورة القرار في أنه يبدل وظيفة الدولة من ضامن للغذاء الأساسي إلى مدير لبطاقة شراء محدودة، ثم يربط استمرار المواطن داخل المنظومة بتقييمات لا يعرف تفاصيلها ولا يملك التأثير فيها.
ولذلك لا تبدو معركة الدعم النقدي مجرد تغيير في طريقة الصرف، بل تبدو إعادة تعريف لعلاقة الدولة بالفقراء، حيث يصبح الخبز والسلع الأساسية امتيازًا مشروطًا لا ضمانة اجتماعية واضحة.
وخلاصة البرنامج أن الحكومة تدخل أول يوليو 2026 وهي تحمل عنوان الكفاءة، بينما يواجه المواطن رقم الاستبعاد، وقيمة دعم قابلة للتآكل، وبطاقة ذكية قد لا تمنع الجوع إذا بقيت الأسعار خارج السيطرة.

