كشفت أزمة مستحقات المعلمين المتقاعدين في نقابة العاملين بالتعليم والبحث العلمي عن فجوة واسعة بين الاستقطاعات الشهرية من الرواتب وغياب الصرف المنتظم لمكافآت نهاية الخدمة، بعد شكاوى تفيد بتأخر بعض المستحقات لأكثر من 5 سنوات.
وأثار الملف غضبا واسعا بين معلمين أفنوا سنوات الخدمة داخل المدارس والإدارات التعليمية، ثم وجدوا أنفسهم أمام نقابة تخصم من دخولهم المحدودة ولا تقدم كشف حساب واضحا عن الأموال والأصول والعوائد ومعايير الصرف.
استقطاعات من الرواتب بلا حق مضمون
بدأت الأزمة من علاقة مالية يومية بين المعلم والنقابة، إذ تقتطع النقابة جزءا من راتب العضو طوال سنوات الخدمة، بينما ينتظر العامل عند المعاش مكافأة نهاية الخدمة باعتبارها حقا مؤجلا لا منحة اختيارية.
وبعد بلوغ سن التقاعد، اكتشف عدد من المعلمين والعاملين أن الاستقطاع المنتظم لم يقابله صرف منتظم، لأن بعضهم لم يحصل على مستحقاته كاملة رغم مرور سنوات، في وقت حصل آخرون على الصرف خلال عام التقاعد.
لذلك تحولت المشكلة من تأخير إداري إلى سؤال حقوقي مباشر، لأن النقابة لا تدير تبرعات عامة، بل تدير أموالا مصدرها اشتراكات واستقطاعات من أعضاء محددين، وكل عضو يملك حق معرفة مصير مساهمته.
كما زاد الغضب بسبب التفاوت في قيمة وآليات صرف المكافآت، لأن غياب معيار معلن يفتح باب الشك حول أولوية الصرف، ويجعل المعلم المتقاعد عاجزا عن معرفة دوره أو أسباب تجاوزه.
وفي هذا السياق، يرى عبد الحفيظ طايل، مدير مركز الحق في التعليم وعضو نقابة المعلمين المستقلة، أن أزمة المعلم لا تنفصل عن ضعف الدفاع النقابي عن حقوقه، لأن النقابة التي لا تحمي العضو تفقد وظيفتها الأساسية.
ومن ثم يصبح تأخر مستحقات المعلمين المتقاعدين دليلا على أزمة تمثيل لا أزمة سيولة فقط، لأن العضو دفع اشتراكه باعتباره جزءا من منظومة حماية، لا باعتباره ممولا صامتا ينتظر قرارا غامضا.
كشف الحساب قبل الوعود
انتقل الغضب إلى مطلب أكثر تحديدا، وهو كشف حساب أموال نقابة التعليم والبحث العلمي، بما يشمل حجم الأموال والأصول ومصادر التمويل وأوجه الاستثمار والعائد المحقق خلال السنوات الأخيرة.
وبينما تتكرر الشكاوى، يطالب المعلمون بمعرفة عدد المستحقين الذين لم يحصلوا على حقوقهم حتى الآن، لأن الرقم الحقيقي يكشف حجم الأزمة، ويمنع تحويلها إلى حالات فردية متناثرة يسهل تجاهلها.
كذلك يفرض الملف سؤالا واضحا على الحكومة ووزارة العمل، لأن النقابة العمالية تعمل داخل إطار رقابي، ولا يجوز ترك أموال الأعضاء بلا مراجعة علنية، خصوصا عندما تتراكم المستحقات بعد المعاش.
ومن جهة أخرى، لا تكفي بيانات التطمين أو الوعود بالصرف، لأن المتقاعد يحتاج إلى تاريخ محدد وجدول معلن وآلية تظلم واضحة، لا إلى انتظار مفتوح يستهلك ما تبقى من قدرته على المطالبة.
ويربط إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي والباحث في شؤون النقابات، بين الحرية النقابية والقدرة على الدفاع عن الأجور والمزايا، لأن النقابة المغلقة أمام رقابة أعضائها تتحول من أداة حماية إلى عبء إضافي.
وعلى هذا الأساس، يصبح كشف الحساب مطلبا سابقا لأي حديث عن الإصلاح، لأن الأعضاء لا يسألون عن نوايا الإدارة، بل عن أرقام محددة تخص اشتراكاتهم واستثماراتها ومسار صرفها بعد التقاعد.
فصل النقابات لا يعفي الحكومة
حاولت بعض التوضيحات الفصل بين نقابة المهن التعليمية والنقابة العامة للعاملين بالتعليم والبحث العلمي، وهذا الفصل ضروري لمنع خلط المسؤوليات، لكنه لا يعالج أصل المشكلة المتعلق بحقوق أعضاء النقابة العمالية.
وبالتالي فإن توضيح عدم صلة نقابة المهن التعليمية بالأزمة لا يجب أن يتحول إلى مخرج إعلامي يغطي على النقابة المعنية، لأن المستحقات المتأخرة تخص كيانا محددا وأعضاء دفعوا اشتراكات داخله.
كما أن إحالة الملف إلى لجنة مختصة لا تكفي وحدها، إذا لم تنته إلى إلزام النقابة والحكومة بنشر بيانات مالية واضحة، وجدول صرف ملزم، ومراجعة لأسباب التفاوت بين أصحاب الحالات المتشابهة.
وفي قراءة قانونية، يؤكد المحامي العمالي هيثم محمدين في كتاباته عن قوانين العمل والنقابات أن التشريعات الاجتماعية يفترض أن تحقق توازنا يحمي العامل، لا أن تتركه أمام مؤسسات أقوى منه بلا ضمانات.
لهذا تبدو الأزمة أكبر من مكافأة متأخرة، لأنها تكشف خللا في الحماية بعد نهاية الخدمة، حين يصبح المعلم أقل قدرة على الاحتجاج، وأكثر حاجة إلى دخل ثابت يواجه به العلاج والمعيشة.
وتتحمل الحكومة مسؤولية سياسية وإدارية في هذا الملف، لأنها سمحت باستمرار الاستقطاع من رواتب العاملين دون أن تضمن رقابة كافية على الصرف، ثم تركت المتقاعدين يطاردون حقوقهم بعد سنوات من العمل.
وفي النهاية، لن تهدأ أزمة مستحقات المعلمين المتقاعدين ببيان جديد أو وعد مؤجل، بل بكشف حساب منشور يوضح الأموال والأصول والعوائد، وجدول صرف عادل يعيد الحق لأصحابه دون انتقاء أو مماطلة.

