كشفت عاملات المركز الحضري للمرأة بمنطقة الكرنك في محافظة الأقصر عن توقف شبه كامل لنشاط مركز كان يضم 11 حرفة يدوية، بعد تعطل معظم الماكينات ونقص الخامات وتوقف صرف الرواتب.

 

وتفضح الأزمة طريقة حكومية معتادة في إدارة مشروعات النساء بالصعيد، حيث تتحول منشآت التدريب والإنتاج إلى لافتات مهملة، بينما تبقى العاملات أمام أبواب مغلقة وأحكام قضائية لا تجد جهة تنفذها.

 

مركز سياحي يتحول إلى مبنى معطل

 

وكان المركز الحضري للمرأة في الكرنك واحدًا من أبرز المقاصد السياحية المرتبطة بالحرف التراثية في الأقصر، لأنه قدم للسائحين منتجات يدوية حية تعكس مهارة العاملات وتاريخ الصناعات المحلية.

 

وبحسب العاملات، أنشئ المركز عام 2008 تحت رعاية سوزان مبارك، وضم 11 حرفة شملت الجلود والفركة والنحاس والخوص والخياطة والحرير والسجاد والكليم والفخار والخيامية والتطريز.

 

كما امتلك كل قسم مدربة مسؤولة عن تدريب مجموعة من الفتيات على الحرفة يدويًا، ما جعل المركز مساحة عمل وتدريب وتسويق، وليس مجرد قاعة عرض أو مبنى تابع لجهة حكومية.

 

وتقول نعمة عبد الراضي، العاملة في قسم الخيامية، إن المركز عرف خلال سنوات نشاطه إقبالًا سياحيًا واضحًا، حيث كان الزائرون يتعرفون على الحرف التراثية ويشترون المنتجات اليدوية من العاملات.

 

ثم شارك المركز في معارض داخل مصر، بينها معرض ديارنا، كما وصل إلى معرض فني في الصين، وهو ما يؤكد أن المشكلة الحالية لا تتعلق بضعف المنتج أو غياب القدرة على التسويق.

 

وفي هذا المحور، تكتسب رؤية منى عزت، الباحثة المتخصصة في النساء والعمل، أهمية مباشرة، لأنها تربط انتهاكات الأجور بحق العاملات في اللجوء إلى الشكاوى الرسمية والتفتيش الجاد على جهات العمل.

 

لذلك، لا يمكن التعامل مع تردد العاملات يوميًا على المركز بوصفه إجراء شكليًا، لأن حضورهن المستمر يحفظ علاقة العمل، ويكشف أنهن يطالبن بإعادة تشغيل مصدر رزق لا بامتياز إضافي.

 

لكن ما جرى داخل المركز يعكس إهدارًا مزدوجًا، لأن الحكومة تركت منتجًا تراثيًا قابلًا للتسويق ينهار، وتركت نساء اكتسبن خبرة عملية يواجهن توقف الرواتب والماكينات والخامات في وقت واحد.

 

إدارة نداء وقرار فتح باب النزاع

 

وبحسب شهادات العاملات، بدأت الأزمة عام 2015 عقب صدور قرار من مديرية التضامن الاجتماعي بإسناد إدارة المركز إلى مؤسسة نداء، مع إدخال تغييرات على نظام العمل والرواتب.

 

وقد رفضت العاملات هذا التحول، وفضلن الاستمرار تحت إشراف المؤسسة العامة للتكافل الاجتماعي التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، لأن تغيير الإدارة مس وضعهن الوظيفي ومصدر دخلهن المباشر.

 

بعد ذلك، تصاعد الخلاف حين تولت مؤسسة نداء إدارة المركز لمدة قاربت عامًا ونصف العام، حيث تؤكد العاملات أن الرواتب والمكافآت توقفت، كما سحبت دفاتر الحضور والانصراف.

 

وبسبب هذا المسار، تراجع نشاط المركز تدريجيًا، واختفت الخامات اللازمة للإنتاج، وتوقفت أغلب الماكينات والآلات عن العمل، فتحول مشروع تدريب وإنتاج إلى ملف نزاع بين العاملات والجهات الإدارية.

 

وتبرز هنا أهمية كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، لأن موقفه الدائم من علاقات العمل يركز على ضرورة حماية الأمان الوظيفي ورفض التشريعات التي تترك العمال بلا ضمانات.

 

كما ينسجم هذا الموقف مع حالة عاملات الكرنك، لأن المشكلة لم تكن في مهارة العاملات أو غياب الطلب السياحي، بل في قرار إداري نقل المركز إلى وضع غامض ثم ترك الرواتب معلقة.

 

ومن جهة أخرى، يعمق الإهمال الضرر الثقافي والاقتصادي، لأن الخيامية والفركة والنحاس والخوص والفخار ليست هوايات جانبية، بل حرف قابلة لتشغيل النساء وتوسيع دخل الأسر وربط السياحة بالإنتاج المحلي.

 

ولذلك، يبدو حديث الجهات التنفيذية عن دعم الحرف اليدوية بلا قيمة حقيقية حين تترك مركزًا متخصصًا في الكرنك يعاني نقص الخامات وتعطل الماكينات، رغم أنه كان واجهة سياحية وتدريبية واضحة.

 

أحكام قضائية بلا تنفيذ ورواتب متوقفة منذ نوفمبر 2016

 

ويوضح عمرو جمال، محامي العاملات، أن دعوى قضائية رفعت عام 2014 ضد جهات تنفيذية بمحافظة الأقصر، بينها مجلس أمناء مؤسسة التكافل الاجتماعي ومديرية التضامن الاجتماعي.

 

وطالبت الدعوى بعودة العاملات إلى العمل بنظام التعاقد مع المؤسسة العامة للتكافل الاجتماعي، وإلغاء التعامل مع مؤسسة نداء، ثم توسعت المطالب لتشمل الرواتب المتأخرة والتثبيت والتأمينات الاجتماعية.

 

كما أحالت المحكمة القضية إلى خبير مختص لفحص المستندات والتحقق من أحقية العاملات في الرواتب، وانتهى التقرير إلى إثبات علاقة العمل واستحقاق العاملات للمستحقات المالية.

 

وعلى إثر ذلك، أصدرت المحكمة حكمًا بأحقية العاملات في صرف الرواتب والمستحقات اعتبارًا من نوفمبر 2016 وحتى صدور الحكم عام 2023، قبل تأييده في مراحل التقاضي اللاحقة.

 

رغم ذلك، أرسلت الصيغة التنفيذية للحكم إلى محافظة الأقصر ومديرية التضامن الاجتماعي، ثم أحالت الجهتان الملف إلى المؤسسة العامة للتكافل الاجتماعي، التي امتنعت عن التنفيذ بحجة عدم توافر المخصصات المالية.

 

وهنا يخدم رأي المحامي العمالي هيثم محمدين جوهر الأزمة، لأنه ينتقد غياب الردع عند عدم تنفيذ أحكام العمال، ويعتبر أن الحكم القضائي يجب أن يكون واجب النفاذ لا مجرد ورقة مؤجلة.

 

ومن ثم، لا تبدو حجة المخصصات المالية عذرًا بريئًا، لأن الدولة هي التي أنشأت المركز وأدارت تبعيته وسمحت بتغيير إدارته، ثم تركت العاملات سنوات أمام حكم لا يصرف لهن حقوقهن.

 

كذلك حررت العاملات محضرًا رسميًا ضد الجهة المختصة بسبب الامتناع عن تنفيذ الحكم، رغم صدور إنذارات قضائية تلزمها بالسداد، ما ينقل الأزمة من إهمال إداري إلى تعطيل واضح للعدالة.

 

وتكشف المفارقة أن رئيس مدينة الأقصر أعلن في ديسمبر 2024 تطوير ورفع كفاءة المركز وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة، بينما بقيت شهادات العاملات تتحدث عن توقف الرواتب وتراجع الإنتاج.

 

وفي حين يصف الخطاب الرسمي المركز بأنه مشروع يحقق التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمرأة، تؤكد الوقائع أن العاملات خسرن الأجر والخامات والماكينات معًا، في تناقض صارخ بين الإعلان والتنفيذ.

 

لهذا، لا يكفي أن تزور جهة تنفيذية المركز أو تعلن خطة تطوير، لأن إعادة التشغيل تبدأ بدفع المستحقات المتأخرة، وإصلاح الماكينات، وتوفير الخامات، وتسوية الوضع الوظيفي للعاملات بصورة قانونية واضحة.

 

كما يجب أن تتحمل وزارة التضامن ومحافظة الأقصر مسؤولية مباشرة عن وقف نزيف الوقت، لأن كل شهر جديد من الامتناع عن تنفيذ الحكم يضيف دينًا على المال العام ويكسر ثقة العاملات في القضاء.

 

وفي الخاتمة، تلخص أزمة المركز الحضري للمرأة في الكرنك فشلًا حكوميًا مركبًا، حيث تلاشت 11 حرفة من واجهة سياحية، وتوقفت رواتب عاملات، وتعطلت أحكام قضائية داخل مشروع يفترض أنه مخصص للتمكين.

 

ولذلك، لن تعود قيمة المركز بلا قرار تنفيذي سريع ينهي المماطلة ويفتح الورش ويصرف المستحقات، لأن التراث لا يعيش في البيانات الرسمية، والنساء لا يحصلن على حقوقهن من الوعود.