تشهد خدمات الإنترنت عبر الهواتف المحمولة حول العالم، وفي مصر على وجه الخصوص، تغيرات متسارعة في أنماط الاستخدام، مدفوعة بالانتشار الواسع لمنصات الفيديو والبث المباشر وتزايد الإقبال على المحتوى المرئي عالي الجودة.
ومع التطور المستمر في دقات العرض وتحسن شاشات الهواتف الذكية، أصبح استهلاك البيانات أحد أبرز التحديات التي تواجه المستخدمين، خاصة أصحاب الباقات المحدودة الذين يشتكون بصورة متكررة من سرعة نفاد رصيد الإنترنت قبل نهاية الشهر.
وتكشف تقارير ودراسات متخصصة في قياس استهلاك البيانات أن جودة الفيديو أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في حجم البيانات المستهلكة أثناء المشاهدة، إذ ترتفع معدلات الاستهلاك بصورة كبيرة كلما انتقل المستخدم إلى مستويات أعلى من الدقة والوضوح.
جودة الفيديو تحدد حجم استهلاك الباقة
وبحسب البيانات المتاحة، فإن مشاهدة مقطع فيديو بجودة منخفضة تبلغ 144p تستهلك نحو 80 ميجابايت فقط في الساعة الواحدة، وهو معدل منخفض يناسب المستخدمين الذين يعتمدون على باقات صغيرة أو يسعون لتقليل استهلاك الإنترنت قدر الإمكان.
ومع الانتقال إلى جودة 240p ثم 360p تبدأ معدلات الاستهلاك في الارتفاع تدريجيًا، بينما تصل عند جودة 480p إلى نحو 560 ميجابايت في الساعة، وهي الجودة التي يعتمد عليها قطاع واسع من المستخدمين باعتبارها توفر توازنًا مقبولًا بين وضوح الصورة وحجم البيانات المستهلكة.
HD وFull HD.. استهلاك يتضاعف مع ارتفاع الدقة
أما عند مشاهدة الفيديو بجودة HD أو 720p، فإن حجم الاستهلاك يرتفع إلى ما يقرب من 1.25 جيجابايت في الساعة الواحدة، وهو ما يعني أن متابعة عدة مقاطع يوميًا قد تؤدي إلى استنزاف جزء كبير من الباقة الشهرية خلال فترة قصيرة.
وتزداد الأرقام بشكل أكثر وضوحًا مع جودة Full HD أو 1080p، حيث يصل الاستهلاك إلى نحو 2.5 جيجابايت في الساعة، وهو مستوى أصبح شائعًا على منصات الفيديو المختلفة مثل يوتيوب ومنصات البث الرقمي التي تعرض معظم محتواها بهذه الدقة أو أعلى منها.
4K.. ساعة مشاهدة قد تلتهم باقة كاملة
لكن المفاجأة الحقيقية تظهر مع المحتوى فائق الجودة، إذ تشير التقديرات إلى أن مشاهدة الفيديو بدقة 2K تستهلك نحو 4.2 جيجابايت في الساعة الواحدة، بينما تقفز معدلات الاستهلاك بصورة كبيرة عند دقة 4K Ultra HD لتصل إلى نحو 16 جيجابايت خلال ساعة واحدة فقط من المشاهدة.
ويعني ذلك عمليًا أن المستخدم قد يستهلك جزءًا كبيرًا من باقته الشهرية أو حتى كامل الباقة في بعض الأنظمة المحدودة بمجرد مشاهدة عدد قليل من الساعات من المحتوى فائق الدقة، الأمر الذي يفسر شكاوي متزايدة من سرعة نفاد الباقات دون إدراك المستخدم لحجم البيانات التي تستهلكها تطبيقات الفيديو الحديثة.
معدل الإطارات يرفع الاستهلاك بنسبة 50%
ولا يقتصر الأمر على جودة الصورة وحدها، إذ تلعب معدلات الإطارات دورًا مهمًا في زيادة الاستهلاك. فالفيديوهات التي تعمل بمعدل 60 إطارًا في الثانية (60fps) تستهلك بيانات إضافية تتراوح بين 40 و50% مقارنة بالفيديوهات التقليدية ذات المعدلات الأقل، نتيجة الحاجة إلى نقل عدد أكبر من الإطارات في كل ثانية لتقديم حركة أكثر سلاسة وواقعية.
خبراء: الفيديو السبب الرئيسي وراء نفاد الباقات
ويرى خبراء في قطاع الاتصالات أن التوسع الكبير في استخدام تطبيقات الفيديو ومنصات البث المباشر أصبح أحد الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع معدلات استهلاك الإنترنت، سواء عبر شبكات الهاتف المحمول أو خدمات الإنترنت المنزلي.
كما أن التطور المستمر في تقنيات التصوير والإنتاج الرقمي يدفع المنصات إلى توفير المحتوى بجودات أعلى بشكل افتراضي، ما يزيد الضغط على البنية التحتية للشبكات وعلى باقات المستخدمين.
ويؤكد متخصصون أن كثيرًا من المستخدمين يشاهدون المحتوى بدقات مرتفعة دون الحاجة الفعلية إليها، خاصة على الشاشات الصغيرة للهواتف الذكية، حيث يصعب أحيانًا ملاحظة الفروق الكبيرة بين بعض مستويات الجودة، بينما يبقى الفارق في استهلاك البيانات ضخمًا للغاية.
نصائح لتقليل استهلاك الإنترنت
وفي ظل استمرار نمو المحتوى الرقمي واعتماد ملايين الأشخاص على الفيديو كمصدر أساسي للأخبار والترفيه والتعليم، ينصح الخبراء بضبط إعدادات جودة المشاهدة يدويًا بما يتناسب مع سرعة الإنترنت وحجم الباقة المتاحة، إضافة إلى الاستفادة من شبكات الواي فاي عند مشاهدة المحتوى طويل المدة أو عالي الدقة، لتجنب الاستهلاك المفرط للبيانات والحفاظ على الباقة لأطول فترة ممكنة.
مستقبل أكثر استهلاكًا للبيانات
ومع دخول تقنيات العرض المتقدمة وانتشار محتوى 4K و8K مستقبلًا، يتوقع مراقبون أن يصبح استهلاك البيانات أكثر ارتفاعًا خلال السنوات المقبلة، ما يفرض تحديات جديدة على شركات الاتصالات والمستخدمين على حد سواء، ويجعل إدارة استهلاك الإنترنت عنصرًا أساسيًا في الحياة الرقمية اليومية.

