أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب في المحكمة الابتدائية بتونس، مساء الثلاثاء 2 يونيو 2026، أحكاما قاسية في قضية ما يعرف بـ«الجهاز السري لحركة النهضة»، شملت 35 متهما، بينهم رئيس الحركة راشد الغنوشي ونائبه علي العريض وقيادات سياسية وأمنية سابقة.
وتأتي الأحكام داخل سياق سياسي بدأ بعد 25 يوليو 2021، حين جمع قيس سعيد السلطات بيده وحل البرلمان وفتح الباب أمام ملاحقة خصومه، لتتحول قضايا الإرهاب وأمن الدولة إلى أداة متكررة في ضرب أكبر حزب معارض وتصفية الحياة السياسية باسم القضاء.
أحكام ثقيلة ورسالة سياسية تتجاوز قاعة المحكمة
قضت المحكمة بالسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجنا إضافية بحق راشد الغنوشي، وبالسجن 42 سنة بحق علي العريض، فيما وصلت بعض الأحكام إلى السجن مدى الحياة مع 96 سنة بحق مصطفى خذر، وأحكام أخرى تراوحت بين 10 سنوات ومدى الحياة.
وبحسب ما نشرته وسائل إعلام تونسية وعربية، أدانت المحكمة المتهمين بتهم تتعلق بتكوين وفاق إرهابي والانضمام إلى وفاق إرهابي ووضع خبرات وكفاءات على ذمة أشخاص لهم علاقة بجرائم إرهابية، وهي تهم نفت النهضة مرارا طابعها الجنائي ووصفتها بأنها سياسية.
وتعود القضية إلى شكاية أثيرت مطلع عام 2022 على خلفية اتهامات فريق الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي بوجود جهاز سري مرتبط بالنهضة، وبالتورط في الاغتيالات والتجسس واختراق مؤسسات الدولة، وهي اتهامات ظلت الحركة تنفيها وتعدها جزءا من معركة استئصال سياسي.
لكن خطورة الأحكام لا تقف عند حجم العقوبات فقط، بل عند توقيتها السياسي، لأنها تأتي بعد سنوات من استهداف النهضة واعتقال قياداتها وإغلاق مقراتها وملاحقة رموزها، في بلد كان يقدم نفسه بعد ثورة 2011 بوصفه التجربة الديمقراطية الوحيدة الناجية من الثورات العربية.
ومن هنا، تبدو القضية في نظر أنصار النهضة جزءا من مسار أوسع بدأ بانقلاب قيس سعيد على الدستور والمؤسسات المنتخبة، ثم انتقل إلى تفريغ الساحة من المعارضة عبر أحكام طويلة تضع قادة الأحزاب بين السجن والملاحقة والمنفى.
كما أن الحكم على الغنوشي، البالغ 84 عاما، بالمؤبد مع 30 سنة إضافية، يحمل رسالة قمعية مباشرة، لأن السلطة لا تكتفي بعزله سياسيا أو محاكمته في ملف واحد، بل تراكم الأحكام ضده حتى يتحول السجن إلى نهاية مفتوحة لزعيم سياسي كبير.
النهضة بين نفي الاتهامات وحملة سحق المعارضة
وأدانت حركة النهضة الأحكام الصادرة في قضية الجهاز السري، واعتبرتها امتدادا لمسار يستهدف الحركة وقياداتها منذ إجراءات 25 يوليو، بينما تقول منظمات حقوقية دولية إن السلطات التونسية كثفت خلال السنوات الأخيرة حملتها على المعارضة السياسية والمدنية.
فقد قالت منظمة العفو الدولية في فبراير 2026 إن الأحكام الثقيلة ضد راشد الغنوشي وعدد من قيادات النهضة تمثل ضربة جديدة ضمن حملة السلطات التونسية لسحق الحزب المعارض الذي أُزيح عن الحكم بعد سيطرة قيس سعيد على السلطة في 2021.
وأكدت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 أن السلطات التونسية حاكمت عشرات الأشخاص، بينهم شخصيات معارضة بارزة ومحامون ونشطاء، في قضايا ذات دوافع سياسية، وأصدرت ضدهم أحكاما طويلة على أساس تهم فضفاضة تشمل الإرهاب والتآمر على أمن الدولة.
وبذلك لا تظهر قضية الجهاز السري كملف معزول، بل كحلقة داخل سلسلة قضايا تُستخدم فيها عناوين الإرهاب وأمن الدولة لتشويه الخصوم وإخراجهم من المنافسة، خصوصا عندما يسبق الحكم خطاب سياسي رسمي يتهم المعارضين بالخيانة والعمالة.
كما وثقت هيومن رايتس ووتش في أبريل 2025 أن الرئيس قيس سعيد غذى استهداف الأجهزة الأمنية والقضائية للمعارضين، بعدما دأب على وصف منتقديه وخصومه السياسيين بأنهم خونة وإرهابيون، وهو ما يجعل المناخ المحيط بالمحاكمات بعيدا عن الحياد السياسي.
وفي حالة النهضة تحديدا، بدأ التصعيد مع اعتقال الغنوشي في أبريل 2023، ثم اتسع إلى قيادات أخرى ومقرات الحزب، حتى بدا واضحا أن السلطة لا تبحث عن مساءلة فردية بقدر ما تعمل على تفكيك الحزب الأكبر في المشهد الإسلامي التونسي.
لذلك يقرأ أنصار النهضة هذه الأحكام باعتبارها محاولة لإغلاق صفحة المشاركة السياسية للحركة بالقوة، لا حكما عاديا في قضية جنائية، لأن العقوبات المعلنة تطيح بجيل كامل من قياداتها وتدفع رسالة رعب إلى بقية المعارضين.
قيس سعيد والقضاء تحت اختبار الشرعية
ومنذ استحواذ قيس سعيد على السلطات في 25 يوليو 2021، دخل القضاء التونسي مرحلة ضغط غير مسبوقة، بعدما أعاد الرئيس تشكيل المؤسسات الدستورية وحل المجلس الأعلى للقضاء ووسع نفوذه على مفاصل الدولة، بحسب انتقادات واسعة من المعارضة ومنظمات حقوقية.
وفي هذا المناخ، تفقد المحاكمات السياسية ثقة جزء واسع من الرأي العام، لأن السلطة التنفيذية لا تقف خارج المشهد، بل تقود خطابا يوميا ضد الخصوم، وتقدمهم مسبقا كمتآمرين قبل أن تصدر المحاكم أحكامها النهائية.
كما أن تراكم القضايا ضد راشد الغنوشي وقيادات النهضة يضع علامة استفهام على هدف المحاسبة، فالرجل يقضي أحكاما متعددة ويتعرض لملاحقات متتالية، بينما تقول حركته ودفاعه إن الملفات ذات خلفية سياسية وأن المحاكمات لا تتوفر فيها ضمانات العدالة.
وفي أبريل 2026، قالت وكالة رويترز إن الغنوشي نُقل إلى المستشفى بشكل عاجل بعد تدهور حاد في صحته، بينما طالبت النهضة بالإفراج الفوري عنه، في ظل سنه المتقدمة وتراكم أحكام قد تصل فعليا إلى سجنه مدى الحياة.
وتزيد هذه الخلفية الإنسانية من قسوة المشهد، لأن الحكم على زعيم سياسي مسن بعقوبات مفتوحة لا يعيد العدالة لضحايا الاغتيالات، بل يكرس صورة سلطة تنتقم من خصومها وتغلق المجال العام بدلا من فتح تحقيقات شفافة يطمئن لها الجميع.
ولا يعني الانحياز إلى حق النهضة في محاكمة عادلة تجاهل حق عائلات شكري بلعيد ومحمد البراهمي في معرفة الحقيقة، بل يعني أن الحقيقة لا تُبنى تحت ضغط سلطة استثنائية، ولا تُستخدم لتصفية حزب سياسي كامل دون ضمانات علنية ومستقلة.
وفي النهاية، تكشف أحكام الجهاز السري أن تونس تتحرك بعيدا عن روح ثورة 2011، وأن سلطة قيس سعيد تستخدم القضاء لتكريس واقع سياسي بلا معارضة وازنة، حيث تصبح صناديق الاقتراع هامشية وتصبح قاعات المحاكم هي ساحة إقصاء الخصوم.
وبهذا المعنى، لا تبدو الأحكام انتصارا للعدالة، بل محطة جديدة في قمع المعارضة التونسية، لأن العدالة التي تصدر وسط هدم المؤسسات وتخوين الخصوم وملاحقة الأحزاب لا تقنع إلا السلطة، ولا تطمئن المجتمع، ولا تعيد لتونس ديمقراطيتها المصادرة.

