في الوقت الذي أصبح فيه الإنترنت الركيزة الأساسية للاقتصاد العالمي ووسيلة الاتصال الأولى بين مليارات البشر، تتزايد المخاوف من تعرض هذا الفضاء الرقمي المفتوح لتحديات وجودية تهدد وحدته واستمراريته. فبينما تتسارع وتيرة الصراعات الجيوسياسية والحروب الإقليمية، تتجه دول عدة إلى فرض قيود متزايدة على الفضاء الإلكتروني، الأمر الذي يدفع العالم تدريجيا نحو واقع جديد يعرف بـ"الإنترنت المجزأ"، حيث تتحول الشبكة العالمية إلى جزر رقمية منفصلة تخضع لسياسات ورقابة محلية متباينة.
وتزامنا مع التوترات العسكرية المتصاعدة في الشرق الأوسط، وخصوصا في محيط إيران ومضيق هرمز، برزت تحذيرات متزايدة بشأن سلامة كابلات الإنترنت البحرية التي تشكل العمود الفقري لشبكة الاتصالات العالمية، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول مدى هشاشة البنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها العالم بأسره.
الإنترنت المجزأ.. نهاية الحلم الرقمي الموحد
تشير تقارير دولية إلى أن فكرة الإنترنت المفتوح والعابر للحدود، التي شكلت الأساس لنشأة الشبكة العالمية، تواجه اليوم ضغوطا متنامية نتيجة السياسات الحكومية الرامية إلى فرض مزيد من السيطرة على تدفق المعلومات.
وترى تحليلات غربية أن حالة التشرذم الحالية لا تعود فقط إلى المنافسة التجارية وهيمنة شركات التكنولوجيا العملاقة أو الخوارزميات التي تعزل المستخدمين داخل "فقاعات رقمية"، بل ترتبط أيضا بقرارات سياسية وأمنية تتخذها الحكومات بهدف إحكام السيطرة على المحتوى الرقمي ومراقبة حركة البيانات.
وفي مقدمة الدول التي تقود هذا التوجه تأتي الصين، التي نجحت خلال السنوات الماضية في بناء نموذج متكامل لما يعرف بـ"السيادة السيبرانية"، عبر منظومة رقابية ضخمة تعرف عالميا باسم "جدار الحماية العظيم". وقد مكن هذا النظام السلطات الصينية من حجب منصات عالمية شهيرة مثل غوغل وميتا وإحلال بدائل محلية مكانها، ما أدى فعليا إلى إنشاء فضاء إنترنت شبه مستقل عن الشبكة العالمية.
النموذج الصيني يتمدد عالميا
ولا يقتصر تأثير النموذج الصيني على الداخل فحسب، بل امتد إلى دول أخرى تسعى إلى تشديد الرقابة على الفضاء الإلكتروني. ووفقا لتقارير متخصصة، فإن بكين تقدم خبراتها التقنية والتشريعية في مجالات الرقابة الرقمية وإدارة المحتوى الإلكتروني لعدد من الحكومات حول العالم.
كما كشفت تسريبات سابقة عن تورط شركات تكنولوجية صينية في تصدير تقنيات المراقبة والرقابة الإلكترونية إلى عدة دول، الأمر الذي أثار مخاوف من انتشار نموذج الإنترنت المقيد على نطاق أوسع.
وفي هذا السياق، يُعتقد أن إيران استفادت من بعض هذه التقنيات في تطوير منظومتها الرقمية المحلية، حيث اتجهت خلال فترات التوتر والاضطرابات إلى تقييد الوصول إلى الإنترنت العالمي وتشجيع المواطنين على استخدام تطبيقات ومنصات محلية تخضع لإشراف الدولة.
أما روسيا، فتواصل بدورها تعزيز مشروع "الإنترنت السيادي"، عبر إجراءات تهدف إلى تقليل الاعتماد على المنصات الغربية وتطوير بدائل محلية. وتشير تقارير إلى أن موسكو تدرس آليات تسمح بحصر وصول المستخدمين إلى مواقع إلكترونية محددة ومعتمدة رسميا، في إطار مساعيها لتعزيز السيطرة على الفضاء الرقمي الوطني.
كابلات البحار.. الشريان الخفي للعالم الرقمي
وبعيدا عن تحديات الرقابة والانقسام الرقمي، تواجه شبكة الإنترنت تهديدا آخر لا يقل خطورة يتمثل في هشاشة البنية التحتية الفيزيائية التي تعتمد عليها الاتصالات العالمية.
فعلى الرغم من الاعتقاد الشائع بأن الأقمار الاصطناعية هي الوسيلة الأساسية لنقل البيانات عبر العالم، فإن الحقيقة تشير إلى أن أكثر من 99% من حركة البيانات الدولية تمر عبر شبكة هائلة من الكابلات البحرية الممتدة في أعماق المحيطات والبحار.
وتربط هذه الكابلات القارات والدول ببعضها البعض، وتدعم العمليات المصرفية والتجارية وحركة البيانات الخاصة بالمؤسسات الحكومية والشركات العملاقة وملايين المستخدمين حول العالم.
ويحذر خبراء الاتصالات من أن عددا من هذه الكابلات يمر عبر مناطق جغرافية شديدة الحساسية، مثل البحر الأحمر وخليج عمان ومضيق هرمز وبحر الصين الشرقي ومضيق دوفر، ما يجعلها عرضة للتأثر بالتوترات العسكرية والصراعات الإقليمية.
مضيق هرمز والبحر الأحمر في دائرة الخطر
ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالأزمة الإيرانية، ازدادت المخاوف من إمكانية تعرض الكابلات البحرية الممتدة في المنطقة لأضرار مباشرة أو غير مباشرة نتيجة العمليات العسكرية.
ويرى مختصون أن الخطر لا يقتصر على مضيق هرمز فقط، بل يمتد أيضا إلى البحر الأحمر، الذي تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى إحدى أكثر المناطق البحرية توترا في العالم، وسط مخاوف من استهداف البنية التحتية الحيوية للاتصالات الدولية.
كما أثارت تحركات بحرية روسية بالقرب من كابلات الاتصالات في شمال أوروبا خلال الأشهر الماضية مخاوف إضافية لدى الحكومات الغربية، التي بدأت في مراجعة استراتيجيات حماية هذه المنشآت الحيوية.
ماذا يحدث إذا انقطعت الكابلات؟
ورغم أن شبكة الإنترنت العالمية تمتلك قدرا من المرونة يسمح بإعادة توجيه حركة البيانات عبر مسارات بديلة في حال تعطل أحد الكابلات، فإن الخبراء يؤكدون أن هذه الحلول ليست مثالية.
ففي حال تعرض عدد من المسارات الرئيسية للانقطاع أو التخريب، قد تشهد خدمات الإنترنت تباطؤا كبيرا، كما يمكن أن تتأثر قطاعات حيوية تشمل البنوك وأسواق المال والرعاية الصحية وأنظمة النقل والخدمات الحكومية.
وقد يؤدي الضغط المتزايد على المسارات البديلة إلى حدوث اختناقات تقنية واسعة النطاق، تتسبب في انقطاعات متكررة وتأخير في تبادل البيانات، ما ينعكس مباشرة على الأنشطة الاقتصادية والخدمات اليومية للمواطنين.
البحث عن شبكة أكثر صمودا
أمام هذه التحديات المتزايدة، تتصاعد الدعوات داخل قطاع الاتصالات العالمي لإعادة التفكير في البنية التحتية للإنترنت وتطوير نموذج أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.
ويؤكد خبراء الشبكات أن الحل لا يكمن فقط في مد المزيد من الكابلات البحرية، بل في تنويع مسارات نقل البيانات عبر مزيج متوازن من الكابلات البحرية والبرية والأنظمة الفضائية، مع توزيعها جغرافيا عبر مناطق مختلفة لتقليل المخاطر.
ورغم التقدم الكبير الذي تشهده تقنيات الأقمار الاصطناعية، فإن المختصين يرون أنها لا تزال غير قادرة على استيعاب الأحجام الضخمة من البيانات التي تنقلها الكابلات البحرية يوميا، فضلا عن ارتفاع تكاليفها التشغيلية مقارنة بالبنية التحتية التقليدية.

