كشفت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الإثنين 1 يونيو 2026، عن رفع طهران سقف المواجهة السياسية بشأن لبنان، بعدما اعتبر أن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة يشمل جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، وأن أي خرق في لبنان يعني خرقا للاتفاق كله.

 

وتأتي هذه التصريحات بينما أمر رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس الجيش بقصف أهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت، في تصعيد اعتبره الرئيس اللبناني جوزيف عون عدوانا شرسا، بالتزامن مع ترقب جلسة طارئة لمجلس الأمن بشأن لبنان.

 

إيران توسع معنى وقف إطلاق النار إلى كل الجبهات

 

قال عباس عراقجي إن وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن ليس اتفاقا محدودا بساحة واحدة، بل وقف شامل على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وبذلك حاولت طهران نقل أي اعتداء إسرائيلي على لبنان من خانة الاشتباك المحلي إلى خانة اختبار الالتزام الأمريكي المباشر.

 

وأوضح عراقجي، عبر حسابه على منصة إكس، أن انتهاك وقف إطلاق النار على أي جبهة يمثل انتهاكا لوقف إطلاق النار على جميع الجبهات، وهي عبارة تحمل رسالة مزدوجة إلى واشنطن وتل أبيب بأن طهران لن تتعامل مع لبنان كملف منفصل عن التفاهمات الإقليمية.

 

وبهذا المعنى، لا تكتفي إيران بإدانة القصف الإسرائيلي، بل تجعل الولايات المتحدة طرفا مسؤولا عن عواقب أي خرق، لأنها ترى أن واشنطن تملك قدرة الضغط على تل أبيب وتتحمل سياسيا نتيجة ترك إسرائيل توسع عملياتها العسكرية في لبنان.

 

ويكشف موقف عراقجي أن طهران تريد تثبيت قاعدة سياسية جديدة بعد وقف إطلاق النار، تقوم على أن إسرائيل لا تستطيع استخدام جبهة لبنان كمساحة التفاف على التهدئة، ولا تستطيع واشنطن القول إنها ملتزمة بالاتفاق بينما تستمر الهجمات عبر حليفها الإسرائيلي.

 

قاليباف وبقائي يصعدان الخطاب ضد واشنطن وإسرائيل

 

في السياق نفسه، قال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن الحصار البحري وتصعيد إسرائيل لجرائم الحرب في لبنان يمثلان دليلا قاطعا على عدم التزام الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار، واضعا واشنطن في موقع المتهم لا الوسيط أو الضامن.

 

وأضاف قاليباف، عبر منصة إكس، أن لكل خيار ثمنا وأن وقت دفع الثمن سيأتي، وهي صياغة تحمل تهديدا سياسيا واضحا من دون إعلان فوري لطبيعة الرد، لكنها تترك الباب مفتوحا أمام خطوات إيرانية إذا استمر التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

 

ومن جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران تدرس خيارات الرد على تصعيد الاعتداءات الإسرائيلية في لبنان، متهما الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب جرائم غير مسبوقة ومواصلة انتهاك وقف إطلاق النار بصورة متكررة.

 

وانتقد بقائي صمت الأمم المتحدة ومجلس الأمن، معتبرا أن عجز المؤسسات الدولية عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية يفتح الباب أمام توسع التداعيات خارج لبنان، لأن استمرار الإفلات من العقاب سيؤثر، وفق الموقف الإيراني، على السلام والأمن الدوليين.

 

وتكشف هذه التصريحات المتزامنة أن طهران تتحرك على مستويين، الأول دبلوماسي يحمّل واشنطن مسؤولية الالتزام، والثاني تهديدي يترك خيارات الرد مطروحة، خصوصا مع اتساع رقعة التصعيد الإسرائيلي في لبنان وارتفاع المخاوف من تمدد المواجهة.

 

لبنان بين القصف الإسرائيلي وعجز مجلس الأمن

 

على الأرض، أعاد قرار نتنياهو قصف الضاحية الجنوبية لبيروت لبنان إلى قلب معادلة التصعيد، إذ تحدثت تقارير عن موجة نزوح من مناطق الضاحية بعد أوامر إسرائيلية وتهديدات مباشرة، فيما أعلنت إسرائيل استئناف ضرباتها على جنوب بيروت في ظل عمليات موسعة جنوب لبنان.

 

وفي المقابل، وصف الرئيس اللبناني جوزيف عون ما يتعرض له بلده بأنه عدوان إسرائيلي شرس ومدان، وتعهد بالعمل على إنهاء معاناة اللبنانيين عموما والجنوبيين خصوصا، وهي صيغة تعكس حجم الضغط الداخلي مع اتساع الضربات وتزايد كلفة النزوح والخوف اليومي.

 

وتزداد خطورة المشهد مع انتظار جلسة طارئة لمجلس الأمن بشأن لبنان، لأن المجلس يواجه اختبارا جديدا بين إصدار بيانات إدانة وبين القدرة الفعلية على وقف الغارات ومنع توسع الحرب، خاصة أن إيران تتهمه مسبقا بالعجز والصمت أمام الانتهاكات الإسرائيلية.

 

كما أن ربط طهران بين لبنان ووقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة يجعل أي ضربة إسرائيلية قادمة قابلة للتحول إلى أزمة إقليمية أوسع، لأن إيران تقول بوضوح إن الخرق في جبهة واحدة لا يبقى محصورا فيها، بل يضرب الاتفاق كله.

 

وفي النهاية، يكشف التصعيد حول لبنان أن وقف إطلاق النار لا يقاس بالإعلانات وحدها، بل بقدرة الأطراف على منع إسرائيل من توسيع الحرب، وبمدى استعداد واشنطن للضغط على تل أبيب، لأن استمرار القصف يجعل لبنان ساحة اختبار حقيقية لكل حديث عن التهدئة.

 

وتضع طهران الآن معادلة حادة أمام واشنطن وتل أبيب: إما وقف شامل يحمي لبنان وباقي الجبهات، وإما اعتبار الخروقات الإسرائيلية نسفا كاملا للتفاهمات، وهي معادلة تجعل أي غارة جديدة على بيروت أو الجنوب خطوة سياسية وعسكرية تتجاوز حدود لبنان.