كشفت طلبات إحاطة برلمانية قدمتها النائبة دينا هلالي، الأيام الماضية عن تفاوت حاد في أسعار الخدمات داخل المستشفيات الخاصة، حيث تختلف تكلفة الكشف والإقامة والعمليات دون معايير واضحة، ما أدى إلى تحميل المرضى أعباء مالية ضخمة وخلق سوق غير منضبط للخدمات الطبية.
ترتبط هذه الأزمة مباشرة بفشل حكومي ممتد في ضبط القطاع الصحي الخاص، حيث تركت الجهات التنفيذية المجال مفتوحًا أمام التسعير العشوائي، ما حول العلاج إلى عبء اقتصادي يهدد الحق الأساسي في الصحة، ويكشف خللًا هيكليًا في أولويات الإنفاق والرقابة داخل الدولة.
تفاوت الأسعار وغياب المعايير
يعكس التفاوت الكبير في أسعار الخدمات الطبية بين المستشفيات الخاصة غيابًا كاملًا لأي تسعيرة موحدة أو آلية رقابية فعالة، حيث تفرض كل منشأة أسعارها وفق تقديراتها الخاصة دون الالتزام بمعايير واضحة، ما يؤدي إلى تضخم الفواتير بشكل غير مبرر على المرضى.
كما تظهر المقارنات بين مستشفيات من نفس الفئة فروقًا سعرية تصل إلى أضعاف مضاعفة للإجراء الطبي ذاته، وهو ما يكشف وجود ممارسات تسعيرية غير منضبطة تعتمد على إضافة بنود إدارية وخدمات جانبية غير محددة بشكل مسبق داخل الفاتورة النهائية.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إن غياب التسعير الإلزامي يعكس انسحاب الدولة من دورها التنظيمي، موضحًا أن ترك السوق الصحي لقوى العرض والطلب في قطاع حساس يؤدي حتمًا إلى استغلال المرضى، خاصة في حالات الطوارئ التي لا تتيح للمريض حرية الاختيار.
في السياق ذاته، أكد الولي أن عدم إعلان قوائم أسعار واضحة داخل المستشفيات يمثل مخالفة لمبادئ الشفافية، مشيرًا إلى أن المريض يُجبر فعليًا على توقيع موافقات مالية مفتوحة دون معرفة التكلفة الإجمالية، وهو ما يخلق بيئة خصبة للتلاعب المالي.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية حادة
أدى غياب الضوابط السعرية إلى تحميل الأسر المصرية أعباء مالية متزايدة، حيث يضطر كثير من المرضى إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتهم لتغطية تكاليف العلاج، وهو ما يعكس انتقال الأزمة من القطاع الصحي إلى المجال الاجتماعي والاقتصادي الأوسع.
كما دفع ارتفاع تكاليف العلاج بعض الأسر إلى تأجيل العمليات الجراحية الضرورية أو إيقاف مسار العلاج بالكامل، ما يؤدي إلى تفاقم الحالات الصحية ويزيد من معدلات المضاعفات، في ظل غياب بدائل حكومية كافية تستوعب هذه الحالات.
بدوره، قال الطبيب والباحث الصحي عمرو عزت إن ارتفاع تكلفة الخدمات الطبية الخاصة يعكس فشل السياسات الصحية في تحقيق العدالة، موضحًا أن تحميل المرضى هذه التكاليف دون وجود نظام تأمين فعال يكرس التفاوت الطبقي في الحصول على العلاج.
وأضاف عزت أن غياب الرقابة لا يقتصر على الأسعار فقط، بل يمتد إلى جودة الخدمة نفسها، حيث لا توجد آليات واضحة لمحاسبة المستشفيات على الفروق غير المبررة في التكلفة، ما يجعل المريض الطرف الأضعف داخل المنظومة.
ضغوط سياسية ومطالب بالتدخل
تصاعدت المطالب داخل البرلمان وخارجه بضرورة تدخل وزارة الصحة لفرض تسعيرة عادلة للخدمات الطبية، خاصة بعد تزايد الشكاوى من الفواتير المرتفعة داخل المستشفيات الخاصة، والتي باتت تمثل عبئًا مباشرًا على المواطنين.
في هذا الإطار، شددت النائبة دينا هلالي على ضرورة وضع آليات رقابية صارمة لضبط الأسعار، مؤكدة أن صحة المواطن لا يجب أن تخضع لمنطق الربح، وأن استمرار الوضع الحالي يعكس تقاعسًا واضحًا في حماية حقوق المرضى.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي إن الأزمة الحالية تعكس خللًا في إدارة القطاع الصحي، مشيرًا إلى أن غياب التسعير العادل يفتح المجال أمام الاحتكار ويؤدي إلى تركز الخدمات في يد منشآت تسعى لتعظيم أرباحها على حساب المرضى.
كما أوضح الصاوي أن فرض لائحة أسعار ملزمة لا يتعارض مع الاستثمار في القطاع الصحي، بل يضمن استقراره ويمنع الانفلات الحالي، مؤكدًا أن استمرار الفوضى السعرية يهدد الثقة في المنظومة الصحية ككل.
في المحصلة، تكشف أزمة تفاوت أسعار المستشفيات الخاصة عن خلل عميق في بنية النظام الصحي، حيث يتقاطع ضعف الرقابة مع تغول منطق السوق، ما يضع المرضى في مواجهة مباشرة مع تكاليف لا يمكن التنبؤ بها.
وفي ظل غياب تدخل حاسم من الجهات المعنية، يبقى المرضى وأسرهم أمام خيارات محدودة، بين تحمل أعباء مالية قاسية أو المخاطرة بتدهور حالتهم الصحية، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الحق في العلاج والقدرة على تحمله.

