أظهر ت عمليات رصد أسواق المواشي في محافظات مصر، قفزة حادة في أسعار الأضاحي في مصر، بعدما وصل كيلو البقري القائم إلى 250 جنيها، والخراف إلى 280 جنيها، لتتحول الشعيرة من قدرة شعبية إلى عبء يفوق دخل ملايين الأسر.
وتضع هذه الأسعار الحكومة في موضع اتهام مباشر؛ لأن الأزمة لا تنفصل عن رفع أسعار الوقود والكهرباء وتكاليف النقل والأعلاف والأسمدة، ولا عن ترك المربين بلا دعم بيطري أو إنتاج علفي كافٍ، بينما يجري دفع الناس نحو صكوك مرتفعة الثمن تعجز عن تعويض غياب الأضحية من البيوت.
الأضحية تخرج من بيوت المصريين
في أسواق الشرقية، تراوح سعر كيلو اللحم البقري القائم (الذكور) بين 200 و250 جنيهاً، بينما انخفض سعر الإناث إلى ما بين 170 و180 جنيهاً، وسجل العجل الجاموسي بين 165 و170 جنيهاً، في حين تراوح سعر إناث الجاموس بين 140 و150 جنيهاً.
وبذلك لم يعد شراء عجل كامل ممكناً لمعظم الأسر؛ لأن الأضحية التي كانت تقبل المشاركة بين عدة عائلات صارت تحتاج إلى ميزانية ضخمة، خاصة مع ارتفاع كلفة النقل والذبح والتقطيع والتوزيع، وهي بنود إضافية تدفع السعر النهائي إلى مستوى أعلى من قدرة محدودي الدخل.
أما لحوم الجمال القائمة، فبدأت من 150 جنيهاً للكيلو ووصلت إلى 250 جنيهاً بحسب العمر والوزن، لكن جزارين وتجاراً أكدوا أن بيع الجمال يجري غالباً وفق تقدير التاجر لا الميزان، ليصل سعر الجمل الكبير إلى ما بين 100 و150 ألف جنيه.
وفي المقابل، وصل سعر "القاعود" (وهو الجمل الصغير) إلى ما بين 70 و80 ألف جنيه، بينما تراوح سعر كيلو الخراف البلدي القائم بين 230 و250 جنيهاً، وصعد سعر الخراف البرقي إلى 280 جنيهاً، وسجل الماعز القائم بين 250 و260 جنيهاً للكيلو.
وتتباين أسعار اللحوم بين الريف والمدن، وبين القاهرة وعواصم المحافظات، وبين الأحياء الشعبية والراقية، كما تختلف بين المولات والمراكز التجارية والمجمعات الحكومية ومنافذ القوات المسلحة ووزارة الزراعة، وهو تفاوت لا يغير الحقيقة الأساسية؛ أن السعر خرج من يد المواطن العادي.
كما يصل سعر أقل كيلو من لحوم الجمال المذبوحة إلى 380 جنيهاً، ويرتفع في مناطق أخرى إلى 400 و450 جنيهاً، وسط توقعات الجزارين بزيادة جديدة قبل عيد الأضحى تتراوح بين 20 و30 جنيهاً، مما يجعل اللحوم نفسها بديلاً صعباً عن الأضحية.
غلاء الأعلاف والوقود ييقفزان بالأسعار إلى مستوى غير مسبوق
توضح المقارنة التاريخية حجم الانهيار؛ إذ كان كيلو الأبقار القائم في عيد الأضحى عام 2021 بين 55 و60 جنيهاً، بينما وصل الآن إلى متوسط يقارب 225 جنيهاً، مما يعني أن أسعار الأضاحي قفزت بنحو 400% خلال 5 سنوات فقط.
وبهذه القفزة، ارتفع سعر الأضحية التي كان يمكن شراؤها بنحو 30 ألف جنيه إلى أكثر من 110 آلاف جنيه، وهو رقم يعادل راتب 16 شهراً لمن يحصل على الحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه، دون احتساب إيجار أو طعام أو علاج أو فواتير.
ومن زاوية الاستهلاك المحدود، يؤدي سعر الكيلو القائم للأبقار عند 225 جنيهاً إلى سعر مذبوح يقترب من 500 جنيه، بما يجعل شراء 10 كيلوغرامات فقط من لحوم العيد يكلف أسرة محدودة الدخل أكثر من 5000 جنيه، وهو مبلغ يفوق قدرة أسر كثيرة.
وفي محاولة للبحث عن بديل، لجأت بعض الأسر إلى التفكير في شراء كبش أو ماعز بدلاً من المشاركة في عجل، لكن سعر الخروف متوسط الوزن (عند 50 كيلو) يصل إلى نحو 14 ألف جنيه، أي ضعف الحد الأدنى للأجور وراتب شهرين كاملين تقريباً.
وتحدث الجزار وتاجر المواشي "السيد أبو علي" عن هذا المأزق، مؤكداً أن أغلب المصريين لن يستطيعوا شراء أضحية، وأن كثيراً من الأسر بالكاد يمكنها شراء 3 كيلوغرامات من اللحوم بنحو 1200 جنيه للجمل، أو 1350 جنيهاً للحم العجالي (الكاسر).
ويربط "أبو علي" عجز المصريين بارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وكل تكاليف الإنتاج، بداية من نقل المواشي وغلاء الأعلاف، وصولاً إلى إيجارات الأراضي الزراعية والأسمدة، مؤكداً أن طن الذرة الصفراء ارتفع من 10 آلاف إلى 14 ألف جنيه خلال عام واحد.
كذلك ارتفع طن الردة من 12 ألفاً إلى 14 ألف جنيه، وانتشر مرض الحمى القلاعية ونفق عدد كبير من المواشي لدى المربين والفلاحين، مما خلق فجوة كبيرة في السوق، بينما غاب دور الحكومة عن توفير علاج حقيقي يحمي القطيع والإنتاج المحلي.
ويضيف "أبو علي" أن ارتفاع إيجارات الأراضي الزراعية إلى أكثر من 40 و45 ألف جنيه في بعض المناطق دفع مزارعين إلى تقليل زراعة البرسيم (وهو طعام أساسي للمواشي) والاتجاه إلى زراعات تحقق دخلاً أسرع، مما رفع تكلفة التربية وخفض المعروض.
ثم تضاعفت أزمة التبن بصورة حادة؛ إذ كان فدان تبن القمح قبل ثلاثة مواسم بنحو 200 جنيه، ثم وصل العام الماضي إلى 5 و6 آلاف جنيه، ويدور الحديث هذا العام عن 10 و12 ألف جنيه، مما دفع مربين إلى ترك المهنة.
وتفاقمت الأزمة مع الحرب في السودان، بحسب "أبو علي"؛ لأنها أوقفت تدفق الجمال الجيدة إلى مصر، فارتفع سعر هذا النوع من اللحوم المحبب لدى قطاع واسع من المصريين من 330 إلى 380 جنيهاً هذا العام، وقد يصل إلى 400 جنيه قبل العيد.
الصكوك والإعلانات تعمق أزمة الثقة
في المقابل، تدفع الدولة عبر جمعيات معتمدة إلى جمع تبرعات المصريين وطرح صكوك الأضحية بالتقسيط وبأسعار أقل من السوق، لتجري عملية الاستيراد والشراء والذبح والتشفية والتوزيع عبر هذه القنوات، وهو مسار يثير تساؤلات حول تأثيره على حق الناس في أضحية بسعر مناسب.
ويقول مستشار وزير التموين الأسبق الدكتور عبد التواب بركات: "إن استيراد لحوم الأضاحي واللحوم الحية والمجمدة بواسطة الحكومة ورجال الأعمال والجمعيات الخيرية عبر الصكوك يمثل إغراقاً لسوق اللحوم البلدية، وإفقاراً للمربي والفلاح، وإخراجاً له من دائرة الإنتاج الوطني".
ويعتبر بركات هذا المسار جريمة اقتصادية بحق الأمن القومي الغذائي؛ لأنه يزيد عدد العاطلين في سوق تربية الماشية، ويرجع ارتفاع أسعار اللحوم إلى إغراق السوق بالمستورد والمعامَل بهرمونات النمو عبر شركات تابعة للجهات الحكومية طمعاً في الربح المضاعف.
ويشير بركات إلى أن هذه الجهات تستورد الكيلو بدولار واحد وتبيعه عبر سيارات ومنافذ بنصف سعر اللحوم البلدية، فتبدو أرخص للمستهلك لحظياً، لكنها تكسر المربي المحلي وتقلل الإنتاج الوطني، ثم يعود السوق لاحقاً إلى ارتفاع أكبر بعد خروج المنتجين من الدورة.
ولا يقف الأمر عند الاستيراد؛ إذ يضيف بركات أن تراجع قيمة الجنيه وشح الدولار رفعا أسعار الأعلاف، وأخرجا كثيراً من مزارع اللحوم والدواجن والأسماك من العمل، بينما زادت الأمراض الحيوانية مع غياب دعم الدولة للأمصال واللقاحات والإشراف البيطري الحقيقي.
ويطرح بركات علاجاً يبدأ بإحياء مشروع البتلو القديم، بحيث توفر وزارة الزراعة العجول المحسنة والأعلاف المحلية والإشراف البيطري دون تَرَبُّح، ثم تشتري وزارة التموين العجول عند وزن 500 كيلو بأسعار تحقق هامش ربح للمربي وتناسب المستهلك.
كما يشدد على ضرورة دعم إنتاج الذرة الصفراء والقطن لعلاج نقص الأعلاف، ووقف الإغراق والاستيراد العشوائي، وتنفيذ برامج تحسين سلالات البقر والجاموس المصري، مع توفير الأدوية البيطرية والإشراف البيطري؛ لأن الأزمة لن تنتهي بإعلان صكوك أو طرح لحوم موسمية.
وتطرح جمعية الأورمان صكاً مستورداً بين 6500 و7700 جنيه، وبلدياً بسعر 9300 جنيه مع تقسيط على 12 شهراً، بينما تعرض مؤسسة مصر الخير صك أضحية بسعر 11900 جنيه، وتسجل صكوك وزارة الأوقاف 7000 جنيه للمستورد و9500 جنيه للبلدي.
في السياق نفسه، تعرض مؤسسة حياة كريمة خروفاً بين 7 آلاف و15 ألف جنيه، وعجولاً تبدأ من 45 ألف جنيه، وهذه الأرقام تكشف أن البديل المؤسسي نفسه لم يعد سهلاً، بل أصبح مساراً مالياً موازياً لا يقدر عليه إلا من خرج جزئياً من دائرة الفقر.
وتزيد إعلانات الصكوك من غضب المصريين؛ لأن الفضائيات تكاد لا تخلو من دعايات متكررة مع كل فاصل إعلاني، في وقت بلغت فيه تكلفة الإعلان الواحد في رمضان 2026 نحو مليوني جنيه على قنوات (أون) و(دي إم سي)، ونحو 1.5 مليون على (سي بي سي) و(الحياة).
ورغم تراجع أسعار الإعلانات بعد رمضان، تبقى التكلفة كبيرة وتثير مخاوف من استنزاف أموال التبرعات في الدعاية والرسوم ووسائط التحويل المالي، خاصة أن الجهات لا تعلن إجمالي عدد الصكوك المباعة للمصريين ولا تفاصيل تكلفة الإدارة والتوزيع بصورة كافية.
وبحسب تصريحات رسمية سابقة، حقق مشروع صكوك الأضاحي والإطعام التابع لوزارة الأوقاف بين رمضان وعيد الأضحى عام 2024 نحو 366.7 مليون جنيه، بينما أعلنت وزارة الزراعة استقبال المجازر الحكومية 34 ألف أضحية في عيد الأضحى الماضي مقابل 31 ألف رأس في 2024.
ويقول نقيب الفلاحين حسين أبو صدام: "إن ما يُذبح في المجازر الحكومية يمثل أقل من نصف إجمالي الأضاحي؛ لأن المصريين يفضلون الذبح في المنازل والشوارع"، وهو تقدير يكشف أن الأرقام الرسمية لا تعكس وحدها حجم التراجع داخل البيوت والأحياء الشعبية.
وفي النهاية، تحمل أزمة أسعار الأضاحي في مصر اتهاماً واضحاً للحكومة؛ لأنها رفعت أسعار الوقود بين 14 و30% في مارس، وزادت أسطوانة الغاز المنزلي من 220 إلى 275 جنيهاً، وتركت الأعلاف واللقاحات والإنتاج المحلي بلا حماية، ثم قدمت الصكوك بديلاً عن شعيرة كانت في متناول الناس.

